السلايدر الرئيسيتحقيقات

الكسكس وجبة مغاربية تشق طريقها إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)

فاطمة الزهراء كريم الله وسناء محيمدي ونهال دويب

يورابيا ـ الرباط ـ تونس ـ الجزائر ـ من فاطمة الزهراء كريم الله وسناء محيمدي ونهال دويب ـ يعتبر الكسكسي طبق شعبي والأشهر في دول المغرب العربي بكل من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا فهو سيد الأطباق يعده الفقراء والأثرياء على حد السواء، ويرافق حياتهم اليومية وفي جميع الظروف، الولادة والزواج والختان وخلال المناسبات الحزينة أيضا، وتخطت شهرته حدود هذه الدول.
حاليا، تسير الدول المغاربية إلى تحقيق إجماع نادر بتصنيف هذا الطبق التقليدي الذي يكتسي شهرة عالمية تراثا مغاربيا. وذلك بعد الجدل المستمر الذي أثاره تصنيف طبق “الكسكس” تراثا إنسانيا، خاصة بين المغرب والجارة الجزائر،
ومن هذا المنطلق، يعمل بعض الخبراء من دول المغرب العربي على إعداد مشروع “مشترك” بين المغرب والجزائر، لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بهدفه إدراجه ثراثا إنسانيا.
ويرى الكثير من الباحثين، في مجال الثقافة، أن تصنيف الكسكس ضمن التراث العالمي يعتبر وسيلة لتعزيز الروابط بين الشعوب في المغرب العربي.

الكسكس المغربي… وجبة الانتماء

الملاحظ في المغرب، أنه بالرغم من تغير عادات الأكل، وانتشار الأكلات العصرية والخفيفة، إلا أن وجبة الكسكس لا زالت محافظة على مكانتها في نفوس المغاربة، ومتربعة على موائدهم، حيث لا تكاد تخلو المائدة في البيت المغربي من وجبة الكسكس، فكل أسبوع خاصة يوم الجمعة الكثير من النساء يقمن بإعداد من الكسكس ليتم تناولها بعد أداء صلاة الجمعة، على اعتبار أن في ذلك نوعاً من الاحتفال بـ”عيد المؤمنين” الأسبوعي.
فإن لم يتم إعدادها يوم الجمعة، يتم إعدادها يوم الأحد وهو يوم عطلة أسبوع المغاربة، حيث تكون مناسبة لتجتمع اكثر من عائلة واحدة واكثر من أسرة واحدة على طبق واحد في جو من الاحتمال بهذه الوجبة التي تعتبر وجبة انتماء المغاربة .
نعيمة الزيدالي، سيدة مغربية في عقدها الخامس، أكدت في حديث مع “يورابيا” على مسألة ارتباط المغاربة بوجبة الكسكس، واحساسهم بالانتماء بها ورمز من رموز الكرم المغرب. فالكسكس تقول الزيدالي: “هي وجبة ثراثية تواثناها عن أجدادنا واجدادنا توارثوها عن أجدادهم وبهذا ظل الكسكس وجبة الأجيال المتعاقبة”.
فحتى على مواقع التواصل الاجتماعي، تجد رواد المواقع في هذه الأيام ينشرون صور احتفالهم مع عائلاتهم وهم مجتمعين حول ” القصعة” وهي آنية تشبه صحن كبير ولكن هي فخارية يتم فيها تقديم الكسكس.
المدونة المغربية، خديجة بالمير، ترى بأن الكسكس صيت الكسكس ذاع صيته ليس في افريقيا فحسب وانما في جميع دول العالم وبات ماركة مسجلة لسكان شمال افريقيا من جزائريين وتونسيين وليبيين. وعلامو اجتماعية وثقافية لصيقة بهم.
برع المغاربة في إعداد الكسكس بمختلف الطرق والمكونات، فالكسكس المغربي، هناك طريقتين أو نوعين من الكسكس الأولى تسمى “الكسكس بالتفاية” ويتم إعدادها بالمكون الرئيسي الذي هو السميد بالإضافة إلى البصل معسل والزبيب . والنوع الثاني يسمى “الكسكس بسبع خضار” لأنه يتم إعداده بسبة من أنواع الخضار وهي القرع الأحمر والأخضر والطماطم والباذنجان والفلفل الحلو والفلفل الحار والفول، بالإضافة إلى اللفت والجزر وهناك الكثير من عاللات في بعض المناطق تضيف إليه الحمص.
حتى أن شكل تقديمه كان دالما محط إعجاب الشعراء والفلاسفة والمؤرخين، فالمؤرخ الفرنسي، شارل أندري جوليان، خص الكسكس باهتمام كبير في كتابه “تاريخ أفريقيا الشمالية”.

(AFP)

الكسكسي التونسي… موغل في التاريخ

في تونس، لا تخلو طاولة الأسرة من هذا الطبق التقليدي، حيث دأبت العائلات التونسية، على إعداد ولائم ضخمة أساسها أكلة الكسكسي، وتطبخ من لحوم الخرفان أو العجول ويضاف إليها الزبيب والحلوى والحمص، وتتميز برائحة ومذاق خاص.
والكسكسي أو الكسكس أو سيكسو وهي كلمة أمازيغية ذكرها أبوبكر بن دريد (البصرة/العراق/838م) في كتاب جمهرة اللغة في القرن العاشر للميلاد، ويتم تحضيره من طحين القمح أو الذرة في شكل حبيبات صغيرة ويتناول بالملاعق أو باليد، كما يطبخ بالبخار وتضاف إليه الخضار والمرق واللحم أو الحليب حسب الأذواق، وما يميز طبق الكسكسي التونسي هو استعمال البهارات والهريسة ذات المذاق الحار في المطبخ التونسي.
ويرجع مؤرخون تاريخ الكسكسي إلى الفترة 202-148 قبل الميلاد، حيث تم العثور على أواني طبخ تشبه تلك المستخدمة في تحضير الكسكسي في مقابر تعود إلى فترة الملك ماسينيسا (238 ق.م-148 ق.م)، موحد مملكة نوميديا وعاصمتها سيرتا (محافظة قسنطينة اليوم) وكانت تضم شمال الجزائر ومناطق من تونس وليبيا.
وتعتبر وفاء مقداد الاختصاصية في المعهد الوطني للتغذية(معهد حكومي)، في حديث مع “يورابيا” أن أكلة الكسكسي توفر طاقة لمتناولها، نظرا لطبخه بالخضر وهو ما يعتبر وجبة كاملة، فضلا عن منافعه الكثيرة، لاحتواءه على البروتينات النباتية والألياف التي تساعد في بطء عملية هضمه وذلك يعطي إحساسا بالشبع فترة طويلة بعد تناوله، وفق قولها.
وفازت تونس بلقب بطولة العالم في إعداد الكسكسي على مستوى التقديم والمذاق، خلال المهرجان الدولي الذي استضافته مدينة سان فيتو لو كابو الإيطالية في 21-30 سبتمبر/أيلول 2018، لكن الطبق لكن يبقى الكسكسي طبقا مشتركا مغاربيا وسفيرا لشعوب المنطقة المغاربية.
وفي الوقت الذي تسعى كل من تونس والمغرب والجزائر تسجيل الطبق التقليدي باسمها في قائمة التراث اللامادي باليونسكو، كشف سفير تونس لدى اليونسكو غازي الغرايري أن تونس والمغرب وموريتانيا والجزائر ستتقدم يوم 31 مارس/اذار 2019 بطلب إلى اليونسكو لتسجيل أكلة الكسكسي ضمن قائمة التراث العالمي اللامادي.
ولفت السفير التونسي لدى اليونيسكو، إلي أن تونس تعمل منذ مدة بخطى حثيثة على التنسيق مع ممثلي الدول المغاربية في اليونسكو لإدراج الكسكسي ضمن التراث العالمي، موضحا أن غياب ليبيا عن بقية الدول المغاربية التي تعتزم تقديم ملف لتسجيل الكسكسي كتراث عالمي يعود إلى عدم انضوائها تحت معاهدة اليونسكو للتراث اللامادي وسيقع تشريكها في هذا الملف في حال التحقت بالمعاهدة.

(AFP)

“سكسو” الجزائري… سيد الاطباق والمناسبات

لا يختلف جزائريان، على أن طبق “الكسكسي” يعتبر من اشهر الأطباق التقليدية التي لا تخلو على موائد الجزائريين سواء في المناسبات الدينية والسعيدة والحزينة وحتى في الأيام العادية، باعتباره الطبق الأكثر شعبية في ربوع هذا الوطن الشاسع، فهو سيد الأطباق في الجزائر دون منازع بالنظر إلى المميزات العديدة التي يكتسبها.
وتمكن هذا الطبق الشعبي ضمن مشروع مغاربي مشترك من الوصول إلى أبواب اليونسكو، وتسعى دول المغرب العربي ـ ضمن مشروع مغاربي مشترك ـ لإدراج طبق الكسكسي في قائمة التراث العالمي للبشرية التي تعدها اليونسكو، وفق ما أعلنه المركز الوطني الجزائري للبحوث في عصور ما قبل التاريخ ـ التاريخ وعلم الإنسان ـ نهاية سنة 2018.
ومن بين ابرز الميزات التي جعلت “الكسكسي” من أشهر الأطباق التي أسرت قلوب الجزائريين، على حد قول السيدة “سامية”، ربة منزل تقارب الخميسين من عمرها، أن “الكسكسي” طبق تقليدي تختاره العائلات الميسورة الحال والغنية معا في جميع المناسبات الدينية كما أنه يعكس “اللمة العائلية” ويعزز الروابط العائلية ويزيد من تلاحمها، وخلال قدوم أي مناسبة دينية سواء ليلة القدر المباركة أو في عيد الفطر والأضحى، فأينما حل وارتجل زائر داخل أزقة الجزائر ودويراتها في أعالي الجبال، تداعب أذنك أسماء عدة يلقب بها هذا الطبق الأصيل فيلقب في منطقة القبائل بـ “سكسو” و”الطعام” في الجزائر العاصمة وضواحيها و”البربوشة” في مناطق الشرق الجزائري، وتقول الحاجة “سامية” إن “الكسكسي عبارة عن حبيبات من السميد المستديرة يطهى بمرق الدجاج أو اللحم ومختلف أنواع الخضروات والحميصة واللوبيا “القبائلية” التي تنتشر بكثرة في منطقة القبائل.
وتتعدد طرق تحضيره من منطقة إلى أخرى في الجزائر، في محافظة “جيجل” تصنف ضمن أبرز الولايات الساحلية في البلاد تجتمع فيها مقومات سياحية رائعة فهي تجمع بين جمال الطبيعة وزرقة البحر، هنا في هذه المدنية تشتهر نسوتها بإعداد “سكسو دكحل بالجيجلية”، ويقول “عبد الوهاب . ز”: “عندما نعود إلى النبوغ والجدية مع الجدة وهي تسرد حكاية “سكسو” بالحوت (تحضير طبق الكسكسي بالحوت) ولذته وكيفية تحضيره كإشارة منها للبنات لتعلم سر لذه الطبق، توارثه نساء جيجل جدة عن أم ومع التقدم التكنولوجي وعصرنة المطابخ ها هو اليوم باق سيد الموائد الجيجلية لتنفرد الجيجلية بهذا الطبق التقليدي الأصيل المتجذر في التاريخ”.
ويشتهر سكان مدينة “جيجل بإعداد طبق الكسكسي المزين بشرائح السمك الأبيض اللذيدة أو الأزرق بالنسبة لمن يفضل “البونيت” فلا تحيد ربة بيت عن طريقة وسر تحضير هذا الطبق الشهي.
وفي مدينة تيزي وزو، مدينة ساحلية بشواطئها الساحرة وجبالها الشماخة، يشتهر سكانها بتحضير “سكسو سيازيط لقبائل” بمعنى “الكسكس بالديك القبائلي” ويشرح في هذا السياق الأستاذ الجامعي، سعيد يحياوي، هذه المقولة قائلا إن إعداد هذا الطبق بالديك القبائلي باعتباره الحيوان الاول في الشجاعة والشهامة والحرمة وجميع الصفات التي لا يمكن ذكرها كلها، وفي كل بيت امازيغي تجد ديك فلا يترك حتى اهل البيت بالدخول او حتى التقرب الى خمه، وهو بمثابة المؤذن في كل بيت امازيغي للنهوض لصلاة الفجر والذهاب للحقول للاسترزاق وعدم الرجوع الى الوراء اما النصر او الاستشهاد في اي معركة كانت (انرز ولا انكنوا با اللهجة القبائلية) و يقال ان في افغانستان هناك معارك بين الديكة الى حد اليوم فان الديك لا يستسلم ابدا رغم الجروح و الاصابات حتى الموت او الفوز ويقال ان الفرنسيين تعلموا من الامازيغ الشجاعة ولذا يضعون صورة الديك على قمصان رياضيهم.
ويجري إعداد الكسكس في محافظة الجزائر العاصمة بجلب 1 كيلوجرام من مادة الكسكسي، إضافة إلى نصف كيلو من اللحم أو الدجاج، 6 حبات بطاطا وحبة طماطم، ناهيك عن قدر من الزيت وبهارات وتوابل الفلفل والبقدونس والثوم، ثم يطهى الطعام عن طريق تفويره نحو ثلاث مرات، فيما يتّم طهي المرق منفردا، وهناك من يستغني عن المرق ويستخدم البيض والزبيب وكذا اللبن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى