القضايا العالقة في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.. هل تكفي خطة ترامب لتفادي إخفاقات الماضي؟
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ رغم النجاح النسبي الذي أحرزته المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والذي تضمّن تبادلاً للأسرى بين إسرائيل وحركة حماس، وتخفيفاً مؤقتاً للعنف، لا تزال القضايا الجوهرية التي تقف حجر عثرة أمام تسوية شاملة بعيدة عن الحسم. ووسط التفاؤل الحذر، يعود الحديث مجددًا عن أوجه الشبه بين ما يجري اليوم وما سبق أن فشلت فيه اتفاقيات مثل أوسلو، حيث تمّ تجاوز قضايا حاسمة أملاً في تسويتها لاحقًا.
ويبدو أن مقاربة إدارة دونالد ترامب تتعمد تجنب الخوض في الملفات الكبرى مثل مستقبل الحكم في غزة أو حل الدولتين، لصالح التركيز على إجراءات آنية مثل التهدئة المؤقتة والإعمار.
وقد عبّر صهر ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، عن هذا النهج بوضوح عندما قال إن تأجيل التفاصيل ساعدهم على “تحقيق نتائج ملموسة بسرعة”. وفي الاتجاه ذاته، صرّح رئيس الوزراء القطري بأن الدخول في مفاوضات شاملة من البداية “كان سيمنع الوصول إلى هذه النتائج”.
لكن مع بدء تطبيق الاتفاق، بدأت تظهر التحديات البنيوية، والتي تهدد بإعادة إنتاج نفس الإخفاقات التي أطاحت بمحاولات سابقة لتحقيق السلام. وفيما يلي أبرز القضايا التي لا تزال دون إجابة:
1. الانسحاب الإسرائيلي من غزة: وعود معلقة
رغم الحديث عن انسحابات جزئية للجيش الإسرائيلي إلى ما يسمى “الخط الأصفر”، لا تزال إسرائيل تحتل أكثر من نصف مساحة القطاع. وتنص الخطة الأمريكية على انسحابات تدريجية بالتوازي مع نشر قوة استقرار دولية، يليها انسحاب إلى منطقة عازلة دائمة.
لكن تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تثير القلق، حيث أكّد مؤخرًا أن “الجيش لا يزال يسيطر على كل النقاط الحيوية داخل غزة” وأن “حماس محاصَرة من كل الجهات”.
وتجارب إسرائيل في الجنوب اللبناني والجولان السوري توحي بأن تنفيذ انسحاب كامل قد يكون أبعد من متناول الواقع السياسي والعسكري الحالي.
2. نزع سلاح حماس: مطلب غير واقعي
تعتبر واشنطن أن نزع سلاح حماس بندٌ رئيسي في خطة ترامب، لكنه يبدو غير قابل للتطبيق فعليًا. فقد أعلنت الحركة بوضوح أن هذا المطلب “غير وارد”، وظهرت صورٌ لمقاتلين مسلحين في الشوارع حتى بعد بدء الهدنة، في رسالة تؤكد تمسك الحركة بمكانتها المسلحة.
غياب آلية واضحة لنزع السلاح يعقّد الأمور أكثر. هل يمكن الوثوق بسيطرة مصرية أو دولية على أسلحة حماس؟ هل ستوافق الحركة على تسليم السلاح دون ضمانات سياسية؟ تجربة نزع السلاح في مناطق صراع أخرى تشير إلى أن هذا الملف بحاجة إلى تسوية سياسية شاملة، لا ترتيبات فنية فقط.
3. قوة الاستقرار الدولية: هيكل بلا صلاحيات؟
تشير الخطة إلى تشكيل “قوة استقرار دولية مؤقتة”، تقودها الولايات المتحدة بالتعاون مع شركاء عرب ودوليين. لكن لم يُحسم بعد ما إذا كانت هذه القوة ستعمل بتفويض أممي، وما هي صلاحياتها الفعلية، وهل ستكون قادرة على التدخل ميدانيًا أو فقط مراقبة الأوضاع.
تجارب قوات حفظ السلام، خصوصًا في جنوب لبنان، تطرح شكوكًا حول جدوى مثل هذه البعثات، خاصة في بيئة مثل غزة، حيث لا تملك أي قوة خارجية شرعية ميدانية أو قبولًا شعبيًا واضحًا حتى الآن.
4. إعمار غزة: مشروع اقتصادي أم بديل سياسي؟
من أبرز المحاور التي سلط عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء مؤخرًا، هو تركيزه على إعادة إعمار غزة بدلاً من الانخراط في تفاصيل الحل السياسي. وأوضح في تصريح أدلى به خلال عودته من قمة شرم الشيخ للسلام:”أنا لا أتحدث عن دولة واحدة أو دولتين… نحن نتحدث عن إعادة إعمار غزة”.
واعتبر ترامب أن الأولوية الآن هي البدء بعملية الإعمار باعتبارها عاملًا حاسمًا في “تهدئة” الأوضاع، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه سيتخذ قراراته “بما يراه صائبًا” لكنه سيتشاور مع الشركاء الإقليميين، في إشارة إلى الدول العربية المشاركة في الخطة.
لكن واقع غزة يُظهر أن الإعمار، دون حل سياسي عادل، ليس ضمانة للسلام. فالدمار الهائل الذي خلفته الحرب، والعقبات البيروقراطية الإسرائيلية المتوقعة، وغياب آلية مراقبة شفافة، تعني أن إعادة الإعمار قد تكون بطيئة وغير فعالة كما حدث بعد حرب 2014، حيث سيطرت السوق السوداء على توزيع مواد البناء.
5. من سيحكم غزة؟
حتى الآن، لا توجد خريطة طريق واضحة بشأن مستقبل الحكم في غزة. لا توجد مشاركة فعلية من المجتمع المدني الفلسطيني في صياغة الخطة، ولا شخصيات فلسطينية تُطرح بجدية لتولي زمام الحكم المؤقت.
تسريبات حول نية بعض الأطراف الدولية إشراك رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في حكومة انتقالية تفتقر للشرعية الشعبية. كما أن تقديم السلطة الفلسطينية كمرشح طبيعي للحكم لا توافق عليه حيث ان السلطة تعاني من ضعف الدعم في غزة، وفقدان ثقة شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني.
من جهة أخرى، تشير الخطة إلى استبعاد كامل لحركة حماس من أي دور سياسي مستقبلي، ما يعيد للأذهان التجربة الكارثية لـ”اجتثاث البعث” في العراق، حين أُقصيت النخب الفنية والإدارية من مؤسسات الدولة، مما أدى إلى فراغ أمني وفوضى طائفية.
6. لا مصالحة وطنية فلسطينية
تبدو خطة وقف إطلاق النار برمتها وكأنها تُدار دون أي اعتبار لمصالحة فلسطينية داخلية حقيقية. فلا مشاركة سياسية جامعة، ولا آلية لإدماج القوى الفلسطينية المختلفة في عملية مدنية تضمن تمثيلًا عادلًا. ومادامت العملية السياسية محصورة في تفاهمات دولية وإقليمية دون تمكين الأطراف الفلسطينية ذات العلاقة، فإن التسوية ستبقى هشة.
هل نحن أمام خطة سلام أم إدارة مؤقتة للأزمة؟
تركز خطة ترامب بشكل واضح على “التهدئة مقابل الإعمار”، متجنبةً الحديث عن مفاوضات الوضع النهائي أو حل الدولتين. قد يكون هذا النهج مناسبًا على المدى القصير، لكنه يُخفي تحت السطح قضايا قابلة للانفجار في أي لحظة. فالوجود العسكري الإسرائيلي، وسلاح حماس، ومستقبل الحكم، والملكية السياسية للعملية كلها نقاط خلاف لا تزال دون حل.
إذا استمر تجاهل هذه الملفات، فقد يتحول هذا الاتفاق من خطوة نحو السلام إلى مجرد هدنة مؤقتة، قد تهيئ الظروف لجولة جديدة من الصراع بدلًا من أن تؤسس لاستقرار دائم.
