الغارديان تنعي ديفيد هيرست: صوت الحقيقة في الشرق الأوسط الذي لم يَخشَ أحدًا وكتاب البندقية وغصن الزيتون
لندن ـ يورابيا ـ نعت صحيفة الغارديان البريطانية مراسلها المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، ديفيد هيرست، الذي رحل عن عالمنا في 22 سبتمبر/أيلول 2025 عن عمر ناهز 89 عامًا بعد صراع مع مرض السرطان. على مدى أربعة عقود، كان هيرست أحد أبرز الأصوات الصحفية التي وثّقت التحولات العاصفة في المنطقة، بدءًا من نكسة عام 1967، مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية، ووصولًا إلى انتكاسات عملية السلام واندلاع الانتفاضات، بقلمٍ جمع بين الدقة الأكاديمية والشجاعة الصحفية.
وأضافت الصحيفة أن هيرست لم يكن مجرد مراسل تقليدي، بل شاهدًا جريئًا على لحظات فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط، سعى في تغطيته إلى تجاوز السرديات الرسمية، وإبراز التعقيدات العميقة للواقع السياسي والاجتماعي في المنطقة، حتى ولو كلّفه ذلك المنع أو الطرد أو الهجوم السياسي العلني.
ولفتت الغارديان إلى أن كتابه الشهير “البندقية وغصن الزيتون: جذور العنف في الشرق الأوسط”، الذي نُشر لأول مرة عام 1977، ثم أُعيدت مراجعته لاحقًا في نسختين عامي 1984 و2003، أحدث جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، ووُصف من قبل مجلة ذا نيو ريبابليك بأنه “أكثر الكتب عداءً لإسرائيل نُشر باللغة الإنجليزية من قِبل كاتب يُفترض أنه معلق جاد”. ورغم الانتقادات، فإن هيرست ظل محافظًا على استقلاليته الصحفية، غير آبهٍ بضغوط السفارات أو الجهات الرسمية.
وأشارت الصحيفة إلى أن هيرست كان ممنوعًا من دخول دول عربية عدة مثل مصر وسوريا والسعودية والعراق، بسبب تغطيته الجريئة لأنظمتها. وكان من القلائل الذين كتبوا بجرأة عن مجزرة حماة عام 1982، بعد الهجوم الدموي الذي شنه النظام السوري على المدينة، والذي خلّف آلاف القتلى. كتب حينها: “أزمة النظام العربي تتجلى بوضوح في سوريا، حيث أثبت حزب البعث إفلاسه في تحقيق شعاراته الكبرى: الوحدة، الحرية، والاشتراكية، في وطن عربي منقسم ومتخلف”.
ولم تتوقف صراحته عند الأنظمة الحاكمة، بل طالت أيضًا القيادة الفلسطينية. ففي عام 2001، وصف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بـ”المغرور”، واعتبر أن مسيرته شابها “اعتدال متزايد، ورغبة مفرطة في الهيمنة، ومحاباة الولاء على الكفاءة، واستعداد لاستغلال الفساد كأداة نفوذ”، لكنه في الوقت ذاته لم يبخسه شجاعته وتفانيه الشخصي، مشيرًا إلى “عمله حتى ساعات الفجر، وشجاعته الجسدية رغم المخاطر”.
وفي نعيها، استذكرت الغارديان كذلك تحليله الدقيق لشخصيات استبدادية، مثل الرئيس العراقي السابق صدام حسين، الذي قال عنه بعد إعدامه عام 2006: “كان مثالًا على طغاة العالم النامي الذين نجحوا في احتكار السلطة المطلقة، وتسببوا بكوارث وهم يمارسونها. وكان أشبه بستالين… لا في الشكل فحسب، بل في العمق والأسلوب والمزاج السياسي”.
وأشارت الصحيفة إلى أن هيرست، رغم طبيعته الأكاديمية الصارمة، كان يتعامل بحس فكاهي ساخر تجاه مواعيد التسليم، فقد روى أحد المحررين أنه انفجر غاضبًا عندما طُلب منه تسليم ملف تعريفي خلال 3 أيام، قائلاً: “كيف يمكن كتابة عمل جاد عن شخصية محورية في هذا الوقت الضيق؟ هذا غير معقول”. وقد نُشر المقال بعد ثلاثة أسابيع.
كما نقلت الصحيفة عن زميله جيم موير، مراسل الـ BBC السابق، قوله: “كنت أظنه عملاقًا أحمر الشعر، لكنني فوجئت بشخص هادئ وخجول. ومع ذلك، كان يملك من الحضور وقوة التعبير ما يجعل الجميع يصغون له. كان خاليًا من الغرور، لكن يمتلك عقلًا تحليليًا لامعًا، كما وصفه ذات مرة الصحفي روبرت فيسك”.
أمضى هيرست سنواته الأخيرة في فرنسا مع زوجته أمينة، عالمة الأنثروبولوجيا ذات الأصول المصرية، التي تزوجها عام 1995. كانا يتابعان بانتظام نشرات وتحليلات قناة الجزيرة، التي وصفها هيرست بأنها “منصّة صادقة بشكل مذهل”.
وفي مقاله الأخير الذي نُشر على موقع ميدل إيست آي في نوفمبر 2024، بعنوان “هل إسرائيل في طريقها إلى الجنون؟”، قدّم قراءة عميقة لأوجه الشبه بين الواقع الإسرائيلي المعاصر والتاريخ اليهودي في القرن الأول الميلادي، مشيرًا إلى “تفكك مجتمعي جذري، يقود نحو كارثة شبيهة بما حدث في زمن الرومان”.
وذكرت الصحيفة أن هيرست نجا من محاولات اختطاف في بيروت خلال ثمانينيات القرن الماضي، وواصل عمله رغم المخاطر والتهديدات، مؤكدًا دومًا أن الصحافة، حين تُمارس بشرف، “ليست مهنة آمنة”.
بدأ مسيرته في الشرق الأوسط بعد أداء الخدمة العسكرية في مصر وقبرص، قبل أن يُكمل دراسته في أكسفورد، ثم في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث أتقن اللغة العربية. التحق بـالغارديان عام 1964، وكتب أيضًا لـكريستيان ساينس مونيتور، ونيوزداي، وسان فرانسيسكو كرونيكل، وديلي ستار، وغيرها.
من مؤلفاته البارزة أيضًا: “احذروا الدول الصغيرة: لبنان، ساحة معركة الشرق الأوسط” (2010).
ورغم مرضه، كان هيرست يعمل في سنواته الأخيرة على نسخة محدّثة من كتابه “البندقية وغصن الزيتون”، لكنه لم يُكملها قبل رحيله. وقد أعرب عن أسفه لذلك خلال أيامه الأخيرة، التي قضاها بهدوء في منزله بجنوب فرنسا.
ترك ديفيد هيرست خلفه زوجته أمينة، وشقيقه ريموند، وشقيقته إستر.جون ديفيد هيرست
صحفي ومراسل مخضرم
ولد في 26 مايو 1936 – توفي في 22 سبتمبر 2025
