السلايدر الرئيسيصحف

الغارديان: بي بي سي تحت النار بسبب غزة… من بقي للدفاع عن هذا الكيان المريض؟

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أثارت موجة من الاستياء والغضب الواسع بسبب تغطيتها المنحازة وغير المتوازنة للأحداث الجارية في غزة، واعتبرت أن هذه التغطية تُعد فشلاً جديداً يُضاف إلى سجل المؤسسة الإعلامية العريقة. وأضافت الصحيفة أنه بعد هذا الإخفاق الكبير، بات السؤال المطروح: من بقي للدفاع عن هيئة الإذاعة البريطانية؟

وكتبت الصحيفة أن الإبادة الجماعية لا تقع فجأة، بل تتطلب أولاً قلب المفاهيم رأسًا على عقب، وتغيير الحقيقة إلى نقيضها. وأشارت إلى أن هذا النمط من التزييف الإعلامي والإنكار المنهجي صار ظاهرة مروّعة شهدها العالم خلال الأشهر الـ21 الماضية. واعتبرت أن أحدث تجليات هذه الظاهرة تمثّل في تقرير يوم الاثنين حول الفيلم الوثائقي الذي أُوقف بثه على شاشة الـBBC، والذي كان يعرض محنة الأطفال الفلسطينيين في غزة تحت القصف والحصار.

وأضافت الغارديان أن الفيلم الوثائقي “غزة: كيف تنجو من حرب؟” كان عملاً نادراً من حيث التركيز على تجارب الفلسطينيين المروّعة، وقد أجرته بي بي سي بالتعاون مع شركة إنتاج مستقلة، محاولين تقديم صورة دقيقة للمعاناة الإنسانية. لكن وعلى نحو مثير للسخرية، أصبح الفيلم نفسه أكثر إثارة للجدل في وسائل الإعلام البريطانية من المأساة التي يصوّرها: معاناة الأطفال الفلسطينيين تحت الحرب.

وتابعت الصحيفة أن الجدل انفجر عندما كشف الباحث المؤيد لإسرائيل، ديفيد كولير، أن الراوي في الفيلم، عبد الله، البالغ من العمر 13 عامًا، هو نجل نائب وزير الزراعة في حكومة حماس. وعلى إثر ذلك، انطلقت موجة انتقادات شرسة من جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، ومن وسائل الإعلام البريطانية، بل وحتى من دوائر حكومية، مما أدى إلى سحب الفيلم الوثائقي من منصة iPlayer التابعة لبي بي سي.

وقالت الغارديان إن تقريرًا صدر يوم الاثنين أشار إلى أن عدم الكشف عن هوية والد عبد الله يُعد انتهاكًا لمبادئ الشفافية التحريرية التي تلتزم بها بي بي سي. ومع ذلك، خلص التقرير إلى أن شركة الإنتاج (هويو فيلمز) لم تتعمد تضليل الهيئة، بل رأت – بحق – أن والد عبد الله يشغل منصبًا مدنيًا أو تكنوقراطيًا، وليس منصبًا عسكريًا أو سياسيًا، وأن عدم الإبلاغ عن هذه المعلومة كان خطأ غير مقصود.

وأضافت الصحيفة أن التقرير لم يجد أي دليل على أن النص الروائي الذي ألقاه عبد الله، والذي كتبته شركة الإنتاج، قد تعرّض لأي تأثير من والده أو من عائلته. بل وخلص التقرير إلى أن مساهمة الراوي لا تخرق معايير الحياد الصحفي لهيئة الإذاعة البريطانية، ما يجعل قرار حذف الفيلم غير مبرر من الناحية التحريرية أو الأخلاقية.

وأشارت الغارديان إلى أن الأثر المباشر لهذا القرار تمثل في تعريض الطفل عبد الله وعائلته لموجة من التهديدات والإساءات، وهو ما دفع عبد الله لتحميل بي بي سي مسؤولية أي أذى يصيبه. ومخاوفه هذه ليست من فراغ؛ فقد قُتل آلاف الأطفال الفلسطينيين خلال العدوان الإسرائيلي، من بينهم محمد سعيد البردويل، البالغ من العمر 12 عامًا، الذي قُتل رغم كونه شاهدًا على قصف المسعفين.

وأضافت الصحيفة أن القوات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة قتلت أطفالًا كانوا ينتظرون الغذاء أو الماء، ثم أرجعت تلك المجازر إلى “أخطاء فنية”. وتساءلت الغارديان عن مدى مصداقية هذا التبرير من جيش هو من بين الأكثر تقدمًا تكنولوجيًا في العالم، ويملك أدوات دقيقة لتحديد أهدافه بدقة، لكنه مع ذلك قتل عشرات آلاف الأطفال منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ورغم هذه الجرائم، لفتت الصحيفة إلى أن النقاش في المملكة المتحدة تركّز على الفيلم الوثائقي أكثر مما ركّز على هذه الجرائم. حتى وزيرة الثقافة البريطانية، ليزا ناندي، تساءلت عن سبب عدم فصل أي موظف في بي بي سي على خلفية بث الفيلم. في هذا السياق الإعلامي والسياسي المتقلب، ترى الغارديان أن عرض معاناة الأطفال الفلسطينيين قد يُكلّف الصحفيين مستقبلهم المهني، بينما لا يُحاسب السياسيون الذين دعموا استمرار تصدير السلاح إلى إسرائيل.

وتابعت الغارديان أن الضغط الإعلامي والسياسي على بي بي سي دفعها أيضًا إلى سحب فيلم وثائقي ثانٍ بعنوان “غزة: الأطباء تحت الهجوم”، والذي تناول استهداف النظام الصحي في القطاع، وهو ما أدى إلى مقتل أكثر من 1580 من العاملين الصحيين حتى لحظة إعداد التقرير. وعلى الرغم من أن الفيلم نال موافقة التحرير على كافة المستويات، سحبته بي بي سي خشية الهجمات من أمثال كولير وجماعة الضغط “كاميرا”. وقد أُذيع لاحقًا على القناة الرابعة البريطانية.

وأكدت الصحيفة أن هذه الحملات الممنهجة تحاول تصوير بي بي سي على أنها متحيزة ضد إسرائيل، إلا أن العكس هو الصحيح. وأشارت إلى أن تقريرًا صادراً عن مركز مراقبة الإعلام التابع للمجلس الإسلامي البريطاني وجد أن بي بي سي منحت تغطية أكبر للضحايا الإسرائيليين، من حيث عدد الكلمات والتعبيرات العاطفية المستخدمة، مقارنةً بتغطيتها لضحايا غزة، رغم الفارق الهائل في أعداد القتلى.

كما بيّنت الصحيفة أن أصوات الفلسطينيين قلّما تُسمع في تقارير بي بي سي، في حين تكرّس تغطياتها لنقل الروايات الإسرائيلية، بما فيها من نفي للجرائم رغم دحضها مرارًا. وقد أثار هذا النهج استياءً واسعًا داخل المؤسسة نفسها، حيث وقّع أكثر من مئة من موظفي بي بي سي رسالة احتجاج على قرار عدم بث فيلم “غزة: الأطباء تحت الهجوم”.

واختتمت صحيفة الغارديان تقريرها بالقول إن هيئة الإذاعة البريطانية أخفقت في تغطية “جريمة العصر الكبرى” المتمثلة بالإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن الهيئة باتت مكروهة من اليمين السياسي البريطاني، وتخلّى عنها مؤيدوها الطبيعيون من جمهور يساري وتقدمي. ومع تآكل الثقة في نزاهتها التحريرية، أصبح مستقبلها على المحك. فبعد كل هذا، من بقي للدفاع عن هذا الكيان الإعلامي المريض؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى