تحقيقات

الغارديان: الأردن يسعى لحماية البتراء للأجيال القادمة… ومقاومة من بدو الكهوف

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية، أن بدو البتراء يخوضون معركة صامتة في وجه محاولات متواصلة لإخلائهم من منازلهم الكهفية القديمة، التي سكنوها لأجيال، تحت ذريعة تطوير الموقع السياحي المدرج على لائحة التراث العالمي.

وفي تقرير مطوّل، أوضحت الصحيفة أن هذه التحركات تأتي في إطار مشروع تنموي ضخم يهدف إلى تحسين تجربة الزوار، وتنظيم البنية التحتية في المدينة الأثرية، إلا أن ذلك يتم على حساب سكانها الأصليين، ممن تُهدد ثقافتهم ونمط عيشهم التقليدي بالاندثار.

ونقلت الصحيفة مشاهد حية من قلب البتراء، حيث لا يزال محمد فراس، وهو مزارع ومرشد سياحي يبلغ من العمر 44 عاماً، يعيش مع زوجته وأطفاله التسعة داخل شبكة من الكهوف المتصلة، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 2400 عام، قائلاً:”عشتُ هنا طوال حياتي… هذه الأرض جزء من كياني، لا أستطيع مغادرتها”.
ويضيف: “اتهامنا بتدمير الكهوف أمر سخيف. نحن حُماتها”.

وأضافت الغارديان أن الكهوف التي يسكنها أفراد من قبيلة البدول لم تكن مجرد مأوى، بل كانت شاهدة على حياة مستمرة منذ قرون، تعود إلى الحقبة النبطية التي ازدهرت فيها البتراء كعاصمة تجارية، قبل أن يضمها الرومان عام 100 ميلادي ويُهجر الموقع لاحقًا.

معركة القانون والهوية

وأكدت الصحيفة أن السلطات الأردنية ترى في وجود هؤلاء السكان داخل الموقع “تعديًا غير قانوني”، وتعتبر أن استمرارهم في استخدام الكهوف لأغراض السكن أو التجارة يشكّل تهديدًا لسلامة الموقع الأثري. وقال الدكتور فارس بريزات، رئيس مفوضي سلطة إقليم البترا، إن:”أي استخدام للكهوف في أنشطة غير منظمة يعرّضها للضرر، ونحن ملزمون بحمايتها للأجيال القادمة”.

لكن هذه المبررات، بحسب الغارديان، لا تلقى قبولاً من السكان المحليين، ولا من نشطاء حقوق الإنسان الذين يرون أن الإخلاء القسري يمثل تهديدًا مباشرًا للتراث الثقافي غير المادي، وهو ما عبر عنه آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، قائلاً:”تهجير البدول من منازلهم التاريخية يعرّض ثقافتهم للخطر… يجب وقف هذه العمليات فوراً”.

وعود حكومية لا تجد صدى على الأرض

وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة الأردنية سبق وأن نقلت آلاف الأشخاص من قبيلة البدول إلى قرية حديثة البناء منذ ثمانينيات القرن الماضي، عقب إدراج البتراء ضمن قائمة اليونسكو. لكن عدداً منهم عاد لاحقاً إلى الكهوف، إما لعدم تأقلمه مع الحياة الجديدة، أو بسبب سوء الخدمات.

ورغم الوعود الحكومية بتوفير مساكن “مناسبة”، إلا أن الكثيرين يرون أن العروض غير واقعية ولا تتناسب مع حجم العائلات أو نمط حياتهم التقليدي، كما هو حال ياسين أحمد، أحد جيران فراس، الذي قال:”لدي عشرة أطفال، والمنزل الذي يعرضونه لا يكفي. لا أملك المال للغرامات التي فرضوها عليّ… لا أعرف حياةً خارج هذه الجبال”.

تراث البدو بين الإقصاء والاعتراف

وتنقل الغارديان عن الدكتورة أوليفيا ماسون، الباحثة في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل، أن السلطات تنظر إلى البدول باعتبارهم “عقبة” أمام تنمية الموقع، متجاهلة التوصيات الدولية التي تعتبر أن تراثهم الثقافي يُشكل جزءاً لا يتجزأ من هوية البتراء.

وأضافت ماسون:”يمكن تحقيق التنمية دون تهميش المجتمعات المحلية. الإقصاء لا يُنتج تراثاً حقيقياً، بل يُفرغه من معناه”.

التوقيت الحساس والتداعيات

ولفتت الصحيفة إلى أن هذه التحركات تأتي في وقت حساس يتراجع فيه دخل الأردن السياحي نتيجة تداعيات حرب غزة، وهو ما أثر بشكل مباشر على البدول الذين فقدوا مصادر دخلهم من السياحة والبيع المباشر. كما أثارت الحملة الأخيرة، التي بدأت أواخر عام 2024، غضباً واسعاً، خاصة بعد أن استهدفت نحو 12 عائلة تقيم في منطقة جبل سطوح النبي هارون، وسط اتهامات للسلطات باستخدام “أساليب قسرية”.

“هذه أرضنا”

في مشهد يلخص روح الأزمة، تنقل الغارديان عن ريا حسين، البالغة من العمر 85 عامًا، قولها:”عشت هنا طوال حياتي… إذا أرادوا إجباري على الرحيل، فسأصعد الجبل وأقفز”.

وخلصت صحيفة الغارديان إلى أن محاولات إخلاء بدو البتراء من كهوفهم، تحت غطاء “التنمية السياحية”، تُجسد صراعاً أعمق بين الحداثة والتراث، بين القانون والهوية، وبين الاعتراف والإنكار. وأضافت أن استمرار هذه السياسات دون إشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار سيُضعف من شرعية المشروع التنموي، مهما كانت نواياه.

وأكدت الصحيفة أن الحفاظ على التراث لا يجب أن يكون عبر طرد سكانه، بل بحمايتهم وتمكينهم، إذ إن الثقافة لا تُبنى بالحجر فقط، بل بالإنسان أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى