السلايدر الرئيسي

الشرع يتهم إسرائيل بالسعي لتحويل سوريا لساحة فوضى ولا يخشى الحرب.. وجثث بشوارع السويداء عقب انسحاب قوات الجيش وعمليات إعدام ميداني

من سعيد إدلبي

دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد إدلبي ـ بالرغم من محاولة الرئيس السوري أحمد الشرع في خطابه الأخير الظهور بمظهر القائد الحريص على وحدة سوريا وحماية مكوناتها، إلا أن الوقائع على الأرض تكشف وجهاً آخر يتناقض مع لغة الخطاب الرسمية. فقد جاءت الأحداث الدامية في السويداء لتؤكد مجدداً أن السياسات المعتمدة من قبل الدولة السورية، وتحديداً مؤسسة الرئاسة، لا تزال تسير في طريق التفرد بالقرار، والتعامل الأمني الصرف مع الأزمات، دون أدنى اعتبار لأصوات المجتمع المحلي أو المطالب الشعبية المتراكمة.

في كلمة متلفزة بثّت فجر الخميس، خرج الرئيس السوري أحمد الشرع عن صمته ليخاطب السوريين عقب أسبوع دامٍ شهدته محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، حيث تحوّلت شوارع المدينة إلى مسرح للعنف الدموي وساحة لصراع داخلي مروّع امتد تأثيره إلى كامل المشهد السوري. الشرع، الذي بدا حريصاً على إعادة ضبط إيقاع الأحداث المتسارعة، وجّه اتهاماً مباشراً لإسرائيل بمحاولة “تحويل سوريا إلى ساحة فوضى”، معتبراً أن ما يحدث هو امتداد واضح لسياسة إسرائيلية قديمة تعمل على تفكيك الدولة السورية واستهداف تماسكها الوطني.

وأكد الرئيس السوري أن إسرائيل، التي اعتادت التدخل في شؤون المنطقة، تستغل حالة التوتر في الجنوب السوري، وتحديداً في السويداء، لتمرير أجندات مشبوهة تهدف إلى زرع الفتنة الطائفية وتقويض جهود الدولة في فرض الاستقرار بعد الإطاحة بالنظام السابق. واعتبر الشرع أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة، التي طالت منشآت مدنية ومقار حكومية، لم تكن مجرد ردود عسكرية، بل كانت محاولات مدروسة لدفع سوريا إلى حافة الانهيار مجدداً، وتعطيل مسيرة إعادة البناء.

الخطاب الذي جاء بعد تصاعد الاشتباكات بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى بدوية، ثم دخول القوات الحكومية وما رافق ذلك من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة، حاول أن يمسك العصا من المنتصف. فقد شدد الشرع على أن حماية مكوّنات الشعب السوري، وفي مقدمتهم الطائفة الدرزية، هي “أولوية وطنية”، وأن الدولة السورية لن تسمح لأية جهة، داخلية كانت أم خارجية، بأن تفرض انقسامات أو تحوّل خلافات داخلية إلى بوابة لتدخلات أجنبية.

وبنبرة حازمة، قال الشرع إن ما جرى في السويداء لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات من العصيان المسلح ورفض الحوار من بعض المجموعات الخارجة عن القانون، ممن اختاروا طريق السلاح على حساب المصلحة الوطنية. وأوضح أن بعض هؤلاء القادة المحليين، الذين وصفهم بأنهم “تجار الفوضى”، رفضوا كل المبادرات التي أطلقتها الدولة لتهدئة الأوضاع، مفضلين تصفية حساباتهم بالسلاح، وهو ما أدى إلى تفجّر الأوضاع بهذه الصورة المأساوية.

وعن الدور الإسرائيلي، قال الرئيس السوري إن تل أبيب سعت لاستثمار هذا التوتر لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع، عبر تأجيج الصراع وعرقلة عودة الدولة إلى الجنوب السوري، مستخدمة خطاب “حماية الأقليات” كغطاء لتدخلها العسكري، بينما الحقيقة أنها تستهدف وحدة سوريا وسلامة أراضيها. واعتبر أن إسرائيل لا تزال تراهن على تفكك الجبهة الداخلية السورية، ولكن السوريين أثبتوا، على حد تعبيره، أنهم قادرون على إفشال هذه الرهانات رغم الكلفة الباهظة.

في خطابه، وجه الشرع رسالة مباشرة إلى أبناء الطائفة الدرزية، قال فيها إن الدولة لن تتخلى عنهم، وإن أمنهم وحقوقهم مصانة تحت مظلة القانون. وأكد أن سوريا لا تقبل أي شكل من أشكال الانقسام أو التقسيم، وأن التنوع الديني والعرقي فيها هو مصدر قوة وليس ضعفاً، محذراً من الانجرار وراء دعوات مشبوهة تستهدف إخراج السويداء من الحضن السوري.

وفي ما بدا إشارة إلى الضغوط الدولية، كشف الشرع أن الخيار المطروح أمام دمشق كان بين المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، وهو خيار لا تخشاه الدولة، وبين فتح المجال لجهود الوساطة لتجنيب المدنيين مزيداً من القتل والدمار. وأشاد بالوساطة الأمريكية والعربية والتركية، التي قال إنها “أنقذت الجنوب السوري من مصير مجهول”، مؤكداً أن قرار الانسحاب من المدينة جاء ضمن هذا السياق، وليس استسلاماً أمام الفوضى، بل محاولة لمنح فرصة لحوار داخلي يقوده العقلاء.

ورغم هذا الانسحاب، فإن حجم الكارثة التي خلفتها الأيام السابقة بات جلياً صباح الخميس، حيث تحدثت تقارير إعلامية وحقوقية عن مشاهد مروعة في السويداء. وقال مراسلون إن أكثر من 60 جثة شوهدت في الشوارع، بعضها لأفراد من عائلات كاملة، بينما رُصدت عمليات نهب، وإعدامات ميدانية، وجرائم حرق للمنازل، نفذها مسلحون قبل انسحابهم. كما تكررت مشاهد حلق شوارب رجال دروز، وهي ممارسة تُعد إهانة ثقافية ودينية تمس هوية الطائفة.

وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنها وثقت مقتل ما لا يقل عن 193 شخصاً، بينهم أطفال ونساء وعناصر طبية، وأشارت إلى أن من بين القتلى من سقط في غارات إسرائيلية، ومن أُعدم ميدانياً، فيما لا تزال عمليات التوثيق جارية لتحديد المسؤوليات.

الرئيس السوري ختم خطابه بالتأكيد على أن الدولة ستلاحق جميع من ارتكب جرائم بحق المدنيين، وستحاسبهم وفق القانون، بغض النظر عن انتمائهم أو دوافعهم. وأضاف أن المعركة الحقيقية اليوم هي من أجل الحفاظ على وحدة سوريا ومنع تكرار سيناريوهات الانهيار السابقة، وأن هذه المهمة لن تنجح إلا بتكاتف جميع السوريين في وجه محاولات العبث الخارجي.

ويرى مراقبون ان الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الجيش في الأيام الماضية، والتي شملت إعدامات ميدانية، وعمليات نهب وحرق للمنازل، بل وحتى ممارسات مهينة كالاعتداء على رموز الهوية الثقافية للطائفة الدرزية، لا يمكن أن تُختزل باعتبارها “أخطاء فردية” كما قد يروّج الخطاب الرسمي. بل تُعبّر عن خلل بنيوي في العقيدة الأمنية والعسكرية للدولة، وفشل في إدارة التنوع السوري، وتحويله إلى مصدر قلق بدلاً من أن يكون ركيزة للوحدة الوطنية.

الشرع، الذي وصل إلى السلطة بعد انهيار النظام السابق، لم يُحدث القطيعة الحقيقية مع الأساليب التي قادت سوريا إلى الانفجار الأول. فقد أُعيد إنتاج نمط الحكم المركزي المغلق، مع تركيز السلطة في يد مجموعة ضيقة مرتبطة بالرئاسة، وتهميش الهياكل التمثيلية داخل الدولة والمجتمع. كما أن سياسة “الحوار الانتقائي”، التي لا تُفتح إلا أمام من يوافق مسبقاً على شروط النظام، فاقمت من عزلة السلطة عن الأطياف المحلية، كما في حالة السويداء، التي لطالما رفضت أن تكون ساحة للاقتتال الداخلي أو التدخلات الخارجية، حسبما يرى البعض.

ويرى مراقبون ان الدعوات إلى “الوحدة الوطنية” في خطاب الشرع، وإن كانت تحمل طابعاً تصالحياً، تظل جوفاء ما لم تُترجم بإجراءات ملموسة تشمل: وقف الانتهاكات، محاسبة المتورطين فيها بشكل شفاف، إعادة بناء الثقة مع المكونات المحلية، واحترام التعددية السياسية والمجتمعية. أما المراهنة على العصا الأمنية وحدها، أو على وساطات خارجية مؤقتة، فهي وصفة لتكرار الانفجار، لا لتجنبه.

في نهاية المطاف، لا يمكن لسوريا أن تستعيد عافيتها طالما بقي القرار محصوراً في مركز واحد، يُدير البلاد بعقلية أمنية لا ترى في الاختلاف إلا خطراً، وفي التنوع إلا مصدر تهديد. وما لم يُدرك الرئيس الشرع أن الحكم الرشيد لا يُبنى على الخوف والقوة فقط، بل على الشراكة والمساءلة، فإن شوارع السويداء، بكل ما فيها من جثث ورماد، ستكون إنذاراً صارخاً لما قد تؤول إليه مناطق أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى