أقلام يورابيا

“الرأي الحر” كأداة في الحرب ..اختراق الرواية الفلسطينية وتوظيف الداخل لخدمة مشروع الإبادة

أحمد المصري

في خضم العدوان المتواصل على غزة، ومع استمرار المجازر التي تطال المدنيين، بما فيهم الأطفال والنساء، وفي ظل حصار خانق يستهدف مقومات الحياة الأساسية، تتجدد الأسئلة الأخلاقية والسياسية حول دور الإعلام والرأي العام في مثل هذه اللحظات المفصلية من التاريخ الفلسطيني. وفي هذا السياق، يبرز شكل جديد من أشكال الحرب النفسية والدعاية السياسية، يتمثل في أصوات فلسطينية تروّج لخطابات تُقدَّم على أنها “وجهات نظر مستقلة” أو “تحليلات سياسية من الداخل”، بينما هي، في جوهرها، تندرج ضمن البنية الدعائية للاحتلال وتسهم في تهيئة المناخ السياسي والإعلامي لتبرير جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

لطالما كانت حرية الرأي والتعبير من أهم مكتسبات المجتمعات الديمقراطية، بل ومن أبرز أدوات مساءلة السلطة وإنتاج الوعي الجمعي. غير أن هذه المبادئ، حين يتم توظيفها في سياق استعماري، تصبح عرضة للاختطاف. فما يُطرح من بعض الأصوات الفلسطينية لا يدخل ضمن النقاش السياسي الطبيعي، بل يتجاوز ذلك إلى أداء وظيفة استراتيجية ضمن الحرب المعنوية التي يخوضها الاحتلال، وهي حرب لا تقل ضراوة عن العدوان العسكري نفسه.

هذه الأصوات لا تعبر عن رأي مختلف أو اجتهاد سياسي، وإنما تمارس دورًا واضحًا في إنتاج خطاب يشرعن العنف، ويعقلن الجرائم، ويقدم صورة مشوهة عن الواقع، تُستثمر مباشرة في دوائر صنع القرار داخل دولة الاحتلال. ففي أكثر من مناسبة، ووفقًا لشهادات وتقارير إعلامية، تم توظيف هذه الخطابات “الفلسطينية الشكل” في تبرير القرارات العسكرية، وخصوصًا تلك التي تستهدف البنية المدنية للقطاع، بدءًا من المدارس والمستشفيات وانتهاءً بأفران الخبز.

ما يضفي على هذه الخطابات خطورتها الخاصة، ليس فقط تبنيها لمنطق المحتل، بل تقديمها من داخل الجسد الفلسطيني نفسه. إذ يتم تقديم هؤلاء الأفراد على أنهم يعبرون عن “نقد ذاتي”، أو يمثلون “رؤية واقعية”، في محاولة لإضفاء شرعية أخلاقية على مواقفهم. لكن ما يحدث فعليًا هو إعادة إنتاج لخطاب الاحتلال، بلغة فلسطينية، ما يربك الوعي العام، ويشوّش على سردية الضحية، ويخلط بين الجلاد والمجني عليه.

هذه الظاهرة تعبّر عن نمط من الاختراق الناعم للفضاء الإعلامي الفلسطيني، حيث تُصاغ الحملة الدعائية بأسماء فلسطينية، وتُبث داخل النقاشات العامة على أنها تنويع مشروع في الطرح السياسي، بينما تؤدي في الواقع وظيفة استراتيجية لتقويض وحدة الرواية، وتفكيك الإجماع الوطني حول الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

إن التحليل السياسي، مهما اتسم بالاختلاف، ينبغي ألا ينفصل عن البعد الأخلاقي للموقف. فحين تُقصف قوافل الإغاثة، ويُقتل الأطفال وهم يقفون في طوابير الخبز، لا يمكن تقديم التبريرات لهذا العنف باسم الواقعية السياسية أو العقلانية الاستراتيجية. هناك فرق جوهري بين التحليل وبين التبرير، وبين النقد البنّاء وبين المشاركة في تشويش الرواية وتزييف الواقع.

في ظل الحصار والعنف المنظم، يصبح أي خطاب يُعطي شرعية لهذه السياسات، أو يسهم في تجميل صورتها، شريكًا موضوعيًا في تنفيذها، مهما ادعى الحياد أو الاستقلالية. إذ أن الكلمة في لحظة القتل الجماعي ليست بريئة، بل تتحول إلى أداة في ماكينة الإبادة، إما للمقاومة أو للتواطؤ.

يُلاحظ في عدد من الخطابات الإعلامية التي تصدر عن أفراد فلسطينيين، أن الدافع الرئيسي لا يتمحور حول تحليل الموقف بموضوعية أو مساءلة كافة الأطراف، بل ينبع أحيانًا من موقف عدائي مفرط تجاه فصيل فلسطيني بعينه، وتحديدًا حركة “حماس”. وهذا العداء، حين يتحوّل إلى كراهية مطلقة وغير منضبطة سياسيًا أو أخلاقيًا، يُنتج موقفًا منحازًا للمحتل دون وعي – أو أحيانًا بوعي كامل.

بعض هذه الأصوات لا تُخفي أنها ترى في الحرب على غزة “فرصة” لتصفية الحساب السياسي مع “حماس”، مما يؤدي إلى تبرير الضربات الإسرائيلية وتقديمها على أنها “ضرورة” لإحداث تغيير داخلي. وهنا، ينقلب ميزان الأخلاق، ويتحوّل الخلاف السياسي الطبيعي إلى تماهي خطير مع المشروع الاستعماري، بحيث يُصبح القاتل شريكًا في “الحل”، وتُصبح المجازر “مرحلة انتقالية” مفترضة نحو ما يُسمّى “تحرير غزة من الداخل”.

هذا المنطق، إضافة إلى كونه معيبًا أخلاقيًا، فإنه يُساهم في تبرير الإبادة الجماعية، ويفتح المجال لإعادة إنتاج استعمار داخلي منبوذ تحت غطاء الإصلاح أو “استرداد غزة”. بل إنه يُضفي على العنف الإسرائيلي بعدًا تطهيريًا يُسوّق على أنه حتمية سياسية، وهذا بحد ذاته انهيار في القيم الوطنية وتزييفٌ للرؤية التحررية الفلسطينية.

من أبرز المزاعم التي تتكرر في خطاب بعض الفلسطينيين المشاركين في الحملة الدعائية ضد غزة، أن سبب استمرار الاحتلال والحرب هو “حماس”، وأنه لو قامت الحركة بتسليم سلاحها أو الخروج من المشهد السياسي، فإن الاحتلال سيتوقف، وستزول المعاناة. هذا الطرح، الذي يُقدّم نفسه كتحليل واقعي، يفتقر إلى الحد الأدنى من الفهم التاريخي لبنية المشروع الاستعماري الصهيوني، ويعيد ترويج سردية إسرائيلية تسعى لتصوير المقاومة بوصفها العقبة الوحيدة أمام السلام.

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لا يعود إلى “حماس”، ولا إلى أي فصيل بعينه، بل هو مشروع إحلالي قائم منذ أكثر من قرن، بدأ قبل تأسيس الحركة بعقود طويلة. وقد استمر العدوان والتهجير والمجازر في فترات لم تكن فيها “حماس” موجودة أصلًا (مثل نكبة 1948، ونكسة 1967، واجتياح بيروت 1982). كما أن التجارب التاريخية مع المقاومة الفلسطينية غير الإسلامية – مثل منظمة التحرير – أثبتت أن التنازلات لم تؤدِ إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى تعميقه وفرض وقائع استعمارية جديدة (كالتوسع الاستيطاني بعد أوسلو).

عليه، فإن حصر الاحتلال في “وجود حماس” لا يُعد تحليلًا سياسيًا، بل اختزالًا خطيرًا يتغافل عن الطبيعة البنيوية للصهيونية بوصفها مشروعًا استعماريًا توسعيًا، ويُسهم – عن قصد أو عن جهل – في تبرئة الاحتلال من جرائمه، بل وإضفاء طابع “دفاعي” على سلوكه.

إن من يروّج لفكرة أن الاحتلال سيزول إذا خرجت “حماس” من غزة، يغفل – أو يتغافل – عن أن الحصار فُرض على القطاع حتى بعد الانتخابات الديمقراطية عام 2006، وأن الاحتلال رفض نتائج الانتخابات قبل أن تبدأ الاشتباكات الداخلية. كما يُهمل هذا الطرح حقيقة أن الاحتلال يُهاجم الضفة الغربية يوميًا، حيث لا حكم لحماس أصلًا.

وباختصار، فإن هذا الخطاب لا يخدم فقط تبرير الحرب على غزة، بل يُعيد صياغة العلاقة مع المحتل بمنطق يرى فيه “شريكًا محتملاً للسلام”، إذا ما تخلص الفلسطينيون من “عنصر المقاومة”، متجاهلين أن جوهر المشكلة ليس في رد الفعل الفلسطيني، بل في أصل الاحتلال ذاته.

وما يشهده الفضاء الإعلامي الفلسطيني والعربي من محاولات مستمرة لاختراق الوعي من الداخل، عبر أدوات ناطقة بالعربية وبأسماء فلسطينية، يمثل تحديًا خطيرًا يتطلب وقفة نقدية ومراجعة جذرية لمفهوم حرية التعبير في السياق الاستعماري. ليست كل “وجهة نظر” بريئة، ولا كل “تحليل سياسي” موضوعيًا، خصوصًا حين يُستخدم كسلاح في يد الجلاد.

المطلوب اليوم ليس فقط فضح هذه الأصوات، بل تفكيك بنيتها الخطابية، وفضح علاقاتها بالمنظومات الدعائية التي تخدم الاحتلال، والتأكيد على أن الحياد في زمن المجازر ليس موقفًا أخلاقيًا، بل تواطؤ مفضوح. الكلمة في سياق الإبادة لا تقف على الحياد؛ إما أن تكون سلاحًا في يد المقهور، أو غطاءً ناعمًا للقاتل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى