السلايدر الرئيسي

الأسطل و ابوشباب والمنسي هربوا لجيش الاحتلال والمجايدة تطلب الصلح ومقتل العشرات من دغمش.. حماس تحسم معارك الداخل وتعيد ترتيب البيت الأمني بمباركة امريكية

من سعيد العامودي

غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ بينما لا تزال أصداء الحرب مع إسرائيل تتلاشى في شوارع غزة المدمّرة، فتحت حركة حماس جبهة داخلية أكثر حساسية، موجهةً سلاحها نحو خصومها المحليين من الميليشيات والعشائر التي تصاعدت قوتها خلال الحرب. وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ يوم الجمعة، لم يكن نهاية للعنف في غزة، بل كان إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من المواجهات، هذه المرة داخلية، حيث شرعت حماس بتنفيذ حملة أمنية واسعة النطاق لوأد ما تعتبره “تهديدًا لأمن المجتمع واستقراره”.

حملة أمنية غير مسبوقة: 32 قتيلاً واعتقالات واسعة

بحسب مسؤول أمني رفيع في حماس، فقد أسفرت الحملة الأمنية، التي أطلقت بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، عن مقتل 32 فردًا من عصابة مسلحة داخل مدينة غزة، إضافة إلى إصابة 30 آخرين وتوقيف 24 شخصًا. كما قُتل ستة من عناصر الأجهزة الأمنية التابعة لحماس أثناء تنفيذ المهمة، وأصيب ثلاثة آخرون.

وأوضح المسؤول أن هذه العملية استهدفت “إحدى العصابات الخطيرة التابعة لإحدى العائلات في مدينة غزة”، دون أن يحدد اسمها، مؤكدًا مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والمضبوطات وتسليمها للجهات المختصة.

وقد انتشرت قوات الأمن الداخلي وكتائب القسام بشكل مكثف في القطاع منذ بدء سريان التهدئة، في محاولة لمنع الانفلات الأمني أو حدوث فراغ يسمح بظهور فوضى، سرقات، أو أعمال انتقامية في المناطق المتضررة بشدة من الحرب التي استمرت لعامين.

المواجهة مع عائلة دغمش: الصحافي الجعفراوي أول الضحايا

من أبرز وجوه هذه الحملة كانت المواجهات مع مجموعة دغمش المسلحة، وهي واحدة من أقوى العائلات التي لها تاريخ طويل من التوتر مع حماس. وقد اندلعت اشتباكات ضارية في أحياء الصبرة وتل الهوى، أسفرت عن مقتل الصحافي صالح الجعفراوي خلال تغطيته للحدث، إلى جانب إصابة عدد آخر من المدنيين والمقاتلين.

مصادر قريبة من كتائب القسام أكدت أن المعركة مع دغمش “ستُحسم خلال أيام”، بإشراف مباشر من القائد الميداني عز الدين الحداد، أحد أبرز القادة العسكريين الميدانيين في الحركة. ووصفت هذه المواجهة بأنها جزء من عملية “تثبيت السيطرة الكاملة على القطاع”.

مراكز التوبة والعفو: احتواء عبر التسوية

رغم استخدام القوة في بعض الحالات، فتحت حماس مسارًا موازيًا عبر إنشاء مراكز للتوبة والعفو، تهدف إلى استيعاب المقاتلين السابقين أو الخارجين عن القانون ممن يرغبون في تسوية أوضاعهم. وتبدو هذه الخطوة محاولة ذكية لتحقيق الاستقرار دون الانجرار إلى صراع داخلي شامل، خصوصًا في ظل دمار واسع تعيشه غزة وبنية تحتية منهكة.

خصوم في الظل: من الفرار إلى الاستهداف

فيما يتعلق ببقية المجموعات المسلحة، يبدو أن بعضهم قرر الانسحاب من المواجهة. مجموعة المجايدة دخلت في مسار تفاهمات مع حماس، فيما هربت مجموعة المنسي إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في بيت لاهيا. كما لجأت ميليشيا ياسر أبو شباب، أحد أبرز الخصوم لحماس، إلى جنوب غزة، وتحديدًا رفح، القريبة من مناطق السيطرة الإسرائيلية.

وقد نفت ميليشيا أبو شباب تلقيها أي دعم مباشر من إسرائيل، في حين تتهمها حماس بالتعاون مع الاحتلال. ووفقًا للمسؤول الأمني ذاته، فإن حماس تمكنت مؤخرًا من “تصفية أحد أخطر العملاء”، والذي وُصف بأنه الذراع اليمنى لياسر أبو شباب، مشددًا على أن “قطف رأس أبو شباب نفسه مسألة وقت ليس إلا”.

الأسطل والهروب من السجن: حلقة في ملف الاغتيالات القديمة

في حادثة أخرى، ذكرت مصادر داخلية أن مجموعة الأسطل في خانيونس فرّت إلى مناطق تابعة للجيش الإسرائيلي وبدأت في تفكيك نفسها. ويُعد قائد المجموعة شخصية مثيرة للجدل، حيث كان معتقلاً لدى حماس على خلفية اتهامه بالتورط في اغتيال مهندس فلسطيني في ماليزيا عام 2018، في عملية نُسبت إلى جهاز “الموساد” الإسرائيلي. ومع بداية الحرب، تمكن من الهروب من السجن، ما أثار تساؤلات حول مدى السيطرة الأمنية داخل القطاع أثناء العمليات العسكرية الإسرائيلية.

ترامب يبارك الدور الأمني لحماس: “أعطيناهم الموافقة”

في تطور لافت، تداول نشطاء مقطع فيديو يظهر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على متن الطائرة الرئاسية قبيل توجهه إلى إسرائيل، وهو يجيب عن سؤال طرحته عليه مراسلة بشأن حماس ودورها الأمني. سألته الصحافية: “حماس تقوم بتأسيس نفسها كقوة شرطة، وتطلق النار على منافسيها؟”، فأجاب ترامب قائلاً:
“أعطيناهم الموافقة، إنهم يفعلون ذلك لأنهم يريدون إيقاف المشاكل، ونحن منحناهم الموافقة. طلبنا منهم المراقبة للتأكد من عدم وقوع جرائم كبيرة أو مشاكل في مثل هذه الظروف. نريد أن يكون الوضع آمناً.”

كما أضاف أن عدد القتلى في غزة بلغ 60 ألف شخص، وأن الحرب بين إسرائيل وحماس “انتهت فعليًا”، مشيرًا إلى دمار واسع طال مناطق عديدة من القطاع. ترامب، الذي دعا سابقًا إلى نزع سلاح حماس ضمن خطة لإنهاء الحرب، بدا أكثر مرونة تجاه دورها في حفظ الأمن الداخلي، وهو تصريح يُفهم منه ضوء أخضر أميركي لحماس بإدارة المرحلة الانتقالية في غزة.

إعادة ضبط النفوذ: الأمن أولًا… ثم السياسة

حماس الآن تخوض معركتها على جبهتين: الأولى داخلية ضد العصابات المسلحة والمتمردين، والثانية سياسية، تسعى فيها إلى تقديم نفسها كجهة قادرة على فرض الأمن والنظام في قطاع يعاني من الفوضى منذ سنوات. وبين استخدام القوة وإطلاق مبادرات التوبة، يبدو أن الحركة اختارت نهجًا مزدوجًا يُوازن بين الضبط الأمني والاحتواء المجتمعي.

لكن في خلفية هذا المشهد، تظل عوامل التفجير قائمة: ميليشيات لا تزال تحتفظ بقواها في مناطق مثل رفح، واحتمالات تدخل إسرائيلي، وضغوط إقليمية ودولية تنتظر نتائج ترتيبات ما بعد الحرب.

إلى أين تتجه غزة؟

الواقع أن الأيام المقبلة ستحدد شكل السلطة في غزة: هل ستتمكن حماس من فرض رؤيتها للأمن والسيطرة؟ وهل ستمر هذه المرحلة دون انزلاق إلى صراع أهلي؟ وهل يشكل التصريح الأميركي بشأن “الموافقة” دعمًا فعليًا أم مجرد موقف عابر؟

في كل الأحوال، تبدو حماس مصممة على الحسم، سواء بالقوة أو بالاحتواء. فبعد أن وضعت الحرب أوزارها على الحدود، بدأت معركة تثبيت الحكم من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى