السلايدر الرئيسيالعالم

الأزمة الروسيّة ـ الإسرائيليّة: بين الانفراج والانفجار وأثمان عزّة النفس!

جمال دملج

يورابيا – بيروت – إذا كان التاريخ قد سجَّل على صفحاته ذاتَ يومٍ من أيّام عام 1997 أنّ الإسرائيليّين أعربوا عن خشيتهم لمجرَّد إعلان إدارة الرئيس الروسيّ (الراحل) بوريس يلتسين عن اعتزامها تزويد جزيرة قبرص بمنظومة الصواريخ الدفاعيّة الجوّيّة من طراز “إس 300” في عهد “صديقهم الحميم” الرئيس القبرصيّ (الراحل) غلافكوس كليريدس، أسوة بما فعله “حلفاؤهم” الأتراك الذين سارعوا وقتذاك إلى التهديد بقصف تلك المنظومة في حال نصبها، سواءٌ في عهد رئيسة الوزراء تانسو تشيلر أم في عهد خلَفها مسعود يلماظ، فإنّ الأنظار لا بدّ من أن تتركَّز اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر على رصد المدى الذي يمكن أن تصل إليه خشيتهم إذا ما قُدِّر لـ “عدوّهم اللدود” الرئيس السوريّ بشّار الأسد الحصول على المنظومة عينها في غضون الأسبوعين المقبلين، وفقًا لما تعهَّد به الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين نهار أمس الاثنين، ولا سيّما أنّ أولى ردود الأفعال حيال هذا التطوُّر الهامّ بدأت بالظهور تباعًا في وسائل الإعلام العبريّة بشكلٍ يوحي بأنّ “الآتي أعظم”، ولدرجةٍ وصلت إلى حدّ قيام “القناة التاسعة” بالتحذير من “كابوسٍ ينتظر إسرائيل” على خلفيّة تداعيات القرار الروسيّ، بحسب تعبيرها.

وعلى رغم كافّة “التطمينات” الصادرة عن عددٍ من المسؤولين الروس، ومن بينهم المتحدِّث الرئاسيّ في قصر الكرملين ديميتري بيسكوف الذي أعلن اليوم الثلاثاء أنّ قرار بلاده بخصوص تزويد سوريا بالمنظومة الدفاعيّة المذكورة “ليس موجَّهًا ضدّ أطرافٍ ثالثةٍ”، وإنّما من أجل “ضمان سلامة العسكريّين الروس” هناك، فإنّ هذا الكلام، معطوفًا على ما قاله الرئيس بوتين نفسه البارحة لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو عن أنّ “أعمال سلاح الجوّ الإسرائيليّ هي التي تسبَّبت بكارثة إسقاط طائرة الـ (إيل 20) ومقتل طاقمها” المؤلَّف من خمسة عشر عسكريًّا قبالة الساحل السوريّ ليل السابع عشر من شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، لم يُسهِم في تخفيف حدّة هواجس صنّاع القرار في تلّ أبيب بقدْر ما أدّى إلى رفعها، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ مجرَّد صدور القرار وتحديد المدى الزمنيّ لتنفيذه من قِبل وزير الدفاع الروسيّ سيرغي شويغو، وبمباركة رئيس الدولة، يعني في إطار ما يعنيه أنّ لا مجال للعودة عنه على الإطلاق، خلافًا لما كنّا قد شهدناه في العديد من المناسبات السابقة عندما كانت القيادة الروسيّة تتفهَّم، ولو على مضضٍ، وجهة النظر الإسرائيليّة القائلة بأنّ تزويد سوريا بمنظوماتٍ دفاعيّةٍ صاروخيّةٍ متطوِّرةٍ مثل الـ “إس 300” سيُغيِّر موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط بأكملها على حساب الأمن القوميّ الإسرائيليّ.

لا شكّ في أنّ الرغبة السوريّة في الحصول على هذه المنظومة ظلَّت تتجدَّد باستمرارٍ منذ زمان ما قبل تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ، بدءًا من تاريخ لقاء الرئيس (الراحل) حافظ الأسد مع نظيره ميخائيل غورباتشوف عام 1987 ومن ثمّ بتاريخ لقائه مع (الراحل) بوريس يلتسين عام 1999، مرورًا بزيارة وزير الدفاع (الراحل) العماد مصطفى طلاس لموسكو عام 2001، ووصولًا إلى الفترة التي قام خلالها الطيران الحربيّ الإسرائيليّ بالتحليق مرارًا فوق قصر الرئيس بشّار الأسد في دمشق بين عاميْ 2006 و2013، بيد أنّها بقيت طيلة السنوات الماضية مستعصيةً على التنفيذ بسبب التفهُّم الروسيّ الآنف الذكر لاعتبارات الدولة العبريّة المتعلِّقة بأمنها القوميّ.

على هذا الأساس، يمكن القول إنّ أكثر ما يبدو لافتًا وغريبًا في الوقت الراهن، يتمثَّل في أنّ إسرائيل، وإنْ كانت علاقاتها مع روسيا قد ارتقت إلى مستوياتٍ متقدِّمةٍ جدًّا في ضوء بدء الحرب الروسيّة على الإرهاب في سوريا يوم الثلاثين من شهر أيلول (سبتمبر) عام 2015، ولكنّها لم تُظهر في أيِّ يومٍ من الأيّام الحدّ الأدنى من التفهُّم للوقائع الميدانيّة التي فرضتها هذه الحرب على الأرض السوريّة، بل على العكس تمامًا، ولدرجةٍ جعلت مصطلح “العربدة” الأكثر رواجًا في القواميس الروسيّة لدى توصيف الغارات التي يشنُّها الطيران الحربيّ الإسرائيليّ تحت ذريعة استهداف مواقع إيران وحزب الله في سوريا، قبل أن تصل الأمور بين موسكو وتلّ أبيب إلى ما وصلت إليه من توتُّرٍ مشحونٍ بالغضب الشديد على خلفيّة تداعيات حادثة إسقاط طائرة الـ (إيل 20) المؤلمة الأسبوع الماضي.

ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاحٍ في ضوء كلّ ما تقدَّم ذكره هو: إلى أيِّ مدى يا ترى يمكن أن يؤثِّر هذا التوتُّر، سلبًا أو إيجابًا، على حظوظ سوريا في الحصول هذه المرّة بالفعل على منظومة الـ “إس 300” مقارنةً مع ما كان عليه الحال في المرّات السابقة؟

أغلب الظنّ أنّ الرئيس بوتين لم يعُد يملك حاليًّا ما يمكن وصفه مجازًا بـ “ترف التراجع” عن قراره، بمعنى أنّ السيناريو القبرصيّ الذي تمّ استخدامه في عهد سلفه الرئيس يلتسين في تسعينيّات القرن العشرين عندما جرى الاتّفاق على “تخريجةٍ” يتمّ بموجبها نصب الـ “إس 300” في جزيرة كريت اليونانيّة عوضًا عن جزيرة قبرص ليس واردًا في هذه الأثناء على الإطلاق، وذلك لاعتباراتٍ تتعلَّق إما بعزّة النفس وإمّا بالمحافظة على ماء الوجه، وهي نفس الاعتبارات التي لا بدّ من أن تدفع إلى التساؤل في الحالة الإسرائيليّة عمّا إذا كان بنيامين نتنياهو سيرضخ بدوره للأمر الواقع من دون الحصول على أيِّ مقابلٍ معنويٍّ على شاكلةِ ضماناتٍ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ تؤهِّله لكي يعزِّز من خلالها خطوط بلاده الحمراء على الساحة السوريّة بشكلٍ أقوى من ذي قبلٍ، وخصوصًا بعدما بات يدرك، جدلًا ويقينًا، أنّ مسألة وصول المنظومة الصاروخيّة الجديدة أوشكت على أن تصبح بمثابة الشرّ الذي لا بدّ منه؟

تساؤلٌ، لا شكّ في أنّ أكثر ما يبدو واضحًا على إيقاعه هو أنّ لا أحد من الجانبين الروسيّ والإسرائيليّ، ناهيك عن بقيّة دول الإقليم، يريد الدخول في مواجهاتٍ عسكريّةٍ كبرى أو في حروبٍ طاحنةٍ جديدةٍ بأيِّ شكلٍ من الأشكال… وحسبي أنّ كلّ ما نشهده في ظلّ هذه التطوُّرات المتسارعة والتصريحات المتشنِّجة والتسريبات الرائجة لا يعدو عن كونه مجرَّد غطاءٍ لاتّصالاتٍ حثيثةٍ تجري تحت الطاولة من أجل تحديد الثمن الحقيقيّ لعزّة النفس والمكيال المناسِب لغسل ماء الوجه، ولا يخرج عن سياق المثل الشعبيّ القائل: “اشتدّي يا أزمة تنفرجي”، اللهمّ إلّا إذا دخلت معطياتٌ جديدةٌ على خطّ التوتُّر العالي بين موسكو وتلّ أبيب، يمكن أن تكون أميركيّةً على وجه الخصوص لاعتباراتٍ داخليّةٍ بحتةٍ، فيصبح المرادف هنا حتمًا: “اشتدّي يا أزمة تنفجري”… وشتّان ما بين هذا وما بين ذاك.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى