الأردن والحرب الايرانية ـ الاسرائيلية بين الحياد الحازم وحماية الاستقرار الإقليمي
أحمد المصري

في لحظة إقليمية بالغة التوتر، برزت مواقف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني كرؤية سياسية متقدمة تعبّر عن إدراك عميق لتشابك الخيوط في الصراع العسكري المتسارع بين إسرائيل وإيران، وتحمل في طياتها قلقًا مشروعًا على أمن المنطقة واستقرارها. ليس من المبالغة القول إن خطاب الملك عبد الله الأخير، الذي وجّه فيه انتقادات مباشرة ولاذعة للجانب الإسرائيلي، قد شكّل منعطفًا دبلوماسيًا في مواقف عمّان تجاه صراع لم تكن يومًا طرفًا فيه، لكنها تجد نفسها اليوم مهددة بتداعياته المباشرة.
لفت انتباه الأوساط السياسية في عمّان والمنطقة استخدام الملك عبد الله لغة حاسمة غير معهودة في وصف الممارسات الإسرائيلية، والتي وصفها صراحة بأنها تهدد الأمن الإقليمي، وتخالف القانون الدولي. وللمرة الأولى، حمّل رأس الدولة الأردنية، وبلغة صريحة، إسرائيل مسؤولية هذا التصعيد العسكري مع إيران، مؤكدًا أن الأزمة لم تكن لتأخذ هذا المنحى الخطير لولا السياسات الإسرائيلية، التي وصفها مسؤولون أردنيون بأنها “استفزازية” و”مدروسة”.
هذه اللغة تؤشر على تبدّل في سقف الخطاب الأردني الرسمي، وارتباطه بإحساس متنامٍ داخل الدولة بأن ما يجري ليس صراعًا ثنائيًا محدودًا بين إسرائيل وإيران، بل مقدّمة لحرب دينية أو إقليمية كبرى، قد تتورط فيها أطراف غير معنية مباشرة، مما يستدعي أعلى درجات الحذر والمصارحة.
التحليلات القادمة من غرف القرار الأردنية لا تخفي قلقها من مؤشرات متزايدة على تقارب إيراني ـ باكستاني، واحتمال تشكل محور دفاع مشترك، ما يعني فتح جبهة دعم عسكري وسياسي لإيران من قبل قوة نووية بحجم باكستان، في ظل تقارير عن إرسال صواريخ ومعدات ردع صينية ـ باكستانية إلى طهران.
هذا التطور، الذي وصفه مراقبون بأنه “عنصر مفاجئ يعيد تشكيل خريطة المعركة”، يجعل من المستحيل الاستمرار في توصيف الأزمة باعتبارها مجرد “مواجهة إسرائيلية ـ إيرانية”. بل إن انزلاق باكستان إلى قلب المواجهة قد يحول الصراع إلى نزاع دولي او ديني يعيد رسم خطوط النفوذ في المنطقة.
واحدة من أخطر الإشارات التي نقلتها عمان في رسائلها السياسية إلى واشنطن، تمثّلت في السؤال العميق: “هل تريدون حربًا دينية فعلًا؟”.
سؤال يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية، ويعبّر عن قلق سيادي عميق من أن السياسات الأمريكية، خصوصًا تحت إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، قد تكون دفعت باتجاه تفجير المنطقة تحت يافطة “حسم الصراع”، لا سيما في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، وضم الضفة الغربية، وتهجير سكان غزة.
هذا الطرح يعكس قناعة أردنية راسخة بأن تصعيد إسرائيل الحالي ربما ليس هدفه إيران، بل القضية الفلسطينية ذاتها، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد بالنسبة للأردن الذي يقع جغرافيًا وسياسيًا على خط تماس مباشر مع فلسطين التاريخية.
في هذا السياق، جاء موقف الأردن واضحًا: الحياد العملي، مع صلابة دفاعية كاملة. فقد أكدت عمّان أن أجواءها ليست مفتوحة لأي هجوم على اي دولة، في إشارة مباشرة إلى رفض مرور الطائرات الإسرائيلية نحو إيران عبر المجال الجوي الأردني، وأن أي جسم طائر يخترق الأجواء الأردنية سيُسقط فورًا.
لكن هذا الحياد ليس ضعفًا أو تردّدًا، بل هو موقف سيادي محسوب يحمي الأردن من التورط في حرب ليست حربه، مع الحفاظ على علاقاته المتوازنة مع الأطراف كافة. في الوقت نفسه، تنخرط عمّان في حراك دبلوماسي واسع لتهدئة التوتر وجمع الأطراف على طاولة حوار تضع خارطة طريق لاحتواء التصعيد، وهو ما بات يُعرف في الأوساط السياسية الأردنية بـ”استراتيجية الخروج من المأزق”.
رغم وضوح الموقف الملكي، فإن ما لا يمكن تجاهله هو وجود فجوة مصداقية بين الخطاب الرسمي الأردني والرأي العام الشعبي. فالكثير من الأردنيين، المتابعين للتطورات الإقليمية من خلال وسائل الإعلام المختلفة، يتساءلون عن مدى حقيقة الحياد الأردني، ويطالبون بضمانات أكبر لحماية السيادة وعدم السماح لأي طرف باستخدام أراضي المملكة أو أجوائها في نزاعات لا تخدم مصالحها.
ولعل هذه الفجوة تسلط الضوء على أهمية تعزيز الخطاب الداخلي وشفافيته، لضمان تماسك الجبهة الداخلية، في وقت بات فيه الأردنيون قلقين من احتمالات توسع الصراع وانجرار المملكة إلى مواجهة لا يريدها أحد.
الأردن اليوم يمشي على حبل مشدود بين الحفاظ على حياده، وضمان عدم تفجير أمنه واستقراره، وبين قول الحقيقة في وجه من يجرّ المنطقة إلى حرب دينية أو إقليمية.
والملك عبد الله، بموقفه الأخير، قال ما لم يجرؤ كثيرون على قوله: إسرائيل تتحمل المسؤولية عن هذا التصعيد، والأردن لن يكون أداة في هذه الحرب.
لكن الأهم الآن هو أن تدرك القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن اللعب في منطقة مليئة بالبارود والخطوط الحمراء قد يشعل حريقًا لا يمكن لأحد إطفاؤه. وما تطلبه عمّان اليوم ببساطة هو: إيقاف الجنون قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.