افحيمة يقول ان البعثة الأممية تجاوزت دورها كوسيط محايد وتيته: ليبيا غير مستعدة للانتخابات… وترقب دولي لتحركات حفتر
من سعيد السويحلي
طرابلس ـ يورابيا ـ من سعيد السويحلي ـ نتقد عضو اللجنة التشريعية والدستورية في مجلس النواب الليبي، صالح افحيمة، ما وصفه بـ”التلويح غير المسؤول” بخيارات بديلة خارج إطار التوافق الوطني الشامل، محذرًا من مغبة استخدام المادة 64 من الاتفاق السياسي كمسار منفرد لإطلاق حوار ليبي جديد دون إجماع وطني.
وقال افحيمة في منشور عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” إن مثل هذه الطروحات “تشكل مخاطرة حقيقية بمستقبل العملية السياسية”، داعيًا بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى “مراجعة نهجها والعودة إلى دورها الطبيعي كجهة ميسّرة ومحايدة، لا كطرف يفرض حلولًا أو يرسم المسارات بمعزل عن الإرادة الليبية الجامعة”.
انتقادات مباشرة لتصريحات تيتيه: منهجية البعثة موضع تساؤل
وجّه افحيمة انتقادات صريحة لتصريحات هانا تيتيه، المبعوثة الأممية ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، على خلفية تصريحاتها الأخيرة التي اعتبرت فيها أن “ليبيا غير مستعدة لإجراء انتخابات في الوقت الراهن”، مع الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى المادة 64 لإطلاق حوار جديد.
وقال افحيمة إن هذه التصريحات “تثير علامات استفهام كبيرة حول فهم البعثة لطبيعة الأزمة الليبية وتقديرها للمشهد السياسي الراهن”، مؤكدًا أن المقاربة الأممية الحالية “أثبتت فشلها في أكثر من محطة مفصلية، سواء في بناء التوافق أو تقديم حلول واقعية قابلة للتطبيق”.
وأضاف: “البعثة حاولت مرارًا الانفراد بالمبادرة، لكنها لم تتمكن من إنتاج مسار سياسي جامع، بل وقعت في فخ التهميش للفاعلين الوطنيين الحقيقيين”.
فشل مستمر للمقاربات الأممية ولجانها
وفي تقييمه لأداء البعثة الأممية على امتداد السنوات الماضية، أكد افحيمة أن “الإشكال الجوهري لا يكمن في المؤسسات الليبية، بل في النهج الدولي الذي اتبعته البعثة”، مشيرًا إلى أن هذا النهج “لم يفلح في تحقيق توافق حقيقي”، لا سيما مع تعثر المسارات التي تبنتها اللجنة الاستشارية، التي “عجزت بدورها عن تقديم رؤية قابلة للبناء عليها”، حسب تعبيره.
وأشار النائب البرلماني إلى أن إخفاق البعثة ليس بجديد، مستعرضًا سلسلة من المحطات التي رافقها الفشل، بدءًا من عجزها في التوفيق بين المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب بعد انقسام عام 2014، مرورًا بفشل تنفيذ اتفاق الصخيرات، ثم إخفاق لجنة الحوار السياسي (لجنة 75) في وضع قاعدة دستورية صلبة للانتخابات، وانتهاءً بعدم نجاح اللجنة الاستشارية الحالية.
مجلس النواب يتحمل مسؤولياته رغم التحديات
وفي معرض دفاعه عن أداء مجلس النواب، قال افحيمة إن المجلس، “رغم التباينات الداخلية والخلافات المعروفة، تحرك طوال الفترة الماضية ضمن مسؤولياته الدستورية، وبذل جهودًا متواصلة لتقريب وجهات النظر وتحريك العملية السياسية ضمن إطار وطني وواقعي”.
وأكد أن “الخلل في مسار التسوية لا يُعزى إلى البرلمان وحده، بل إلى عوامل خارجية تتداخل فيها الاعتبارات الدولية مع قصور أداء البعثة الأممية عن لعب دور توافقي حقيقي”.
تيتيه: ليبيا غير مستعدة للانتخابات.. والحوار قائم
في المقابل، شددت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، خلال مداخلة تلفزيونية مع قناة “العربية الحدث”، على أن “ليبيا ليست مستعدة حاليًا لتنظيم انتخابات”، مضيفة أن البعثة تعمل على قيادة “عملية سياسية توافقية” لإرساء الشروط السياسية والمؤسساتية الضرورية لإجرائها.
وقدّمت تيتيه أربعة سيناريوهات لحل الأزمة السياسية، من بينها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، أو البدء بانتخابات برلمانية فقط يليها إعداد دستور، أو التركيز أولاً على صياغة الدستور، فيما يبقى الخيار الرابع هو “العودة إلى حوار وطني جديد” إذا لم تحظَ الحلول المطروحة بالقبول الشعبي، مشيرة إلى إمكانية تفعيل المادة 46 من الدستور المؤقت.
البعثة: التشاور مفتوح وخريطة الطريق خلال 6 أشهر
تيتيه أكدت أن البعثة تسعى لتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في رسم ملامح المرحلة المقبلة، عبر زيارات ميدانية شملت مؤخرًا مدينتي مصراتة والزنتان، بهدف الاستماع لآراء المواطنين حول الحلول المقترحة.
وأوضحت أن اللجنة الاستشارية التي شكلتها البعثة وضعت تصورًا لخارطة طريق قابلة للتنفيذ خلال ستة أشهر، مؤكدة ضرورة أن تكون المبادرة القادمة “شاملة وتمثل جميع الأطراف”.
موقف غامض من حكومة الدبيبة
وحول الموقف من حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، قالت تيتيه إن “المجتمع الدولي لا يزال يعترف بالحكومة القائمة”، لكنها لفتت إلى أنها “تواجه احتجاجات شعبية متزايدة وموجة من الرفض الداخلي”، ما يشير إلى وجود أزمة ثقة بين المواطنين والسلطة التنفيذية.
وفي سياق التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلاد، كشفت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية عن تصاعد التوترات في العاصمة الليبية طرابلس، مع تركّز الأحداث الرئيسية في منطقتي أبو سليم ومحيط مطار طرابلس الدولي، وهما منطقتان تخضعان لنفوذ ما يُعرف بـ”جهاز دعم الاستقرار والأمن”، أحد أبرز الأجهزة ذات الطابع العسكري-الأمني في غرب ليبيا.
وفي المقابل، رصدت الصحيفة “نشاطاً ملحوظاً” في شرق البلاد، داخل المعسكر الخاضع لسيطرة “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر، مشيرة إلى أن هناك “تحركات غير اعتيادية” جرت في الأيام الأخيرة، يُعتقد أنها تتضمن نقل وحدات عسكرية من بنغازي نحو الغرب، وتحديدًا باتجاه مدينة سرت.
وأضافت الصحيفة أن هذه التحركات أعادت إلى الأذهان سيناريو محاولة الزحف على طرابلس التي قادها حفتر في عام 2019، ما أثار تكهنات حول احتمال الإعداد لـ”عملية عسكرية جديدة” تستهدف إسقاط حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة.
وفي هذا السياق، سلّطت الصحيفة الضوء على تعيين عماد الطرابلسي وزيراً للداخلية من قبل الدبيبة، واصفة إياه بأنه “ينتمي إلى أوساط مليشياوية”، معتبرة أن هذه الخطوة جاءت في إطار سياسة تهدف إلى إحكام قبضة حكومة الوحدة الوطنية على الأجهزة الأمنية، التي كانت حتى وقت قريب تتصرف ككيانات شبه مستقلة رغم تبعيتها الشكلية لوزارة الداخلية.
ولفت التقرير إلى أن الحكومة استطاعت من خلال هذه الهيكلة الجديدة استعادة السيطرة على المعابر الحدودية مع تونس، ما أدى إلى حرمان الجماعات المسلحة من أحد أبرز مصادر تمويلها، والمتمثل في التهريب المنظم للوقود والأدوية والسلع الأساسية.
وأشارت الصحيفة كذلك إلى أن بعض السياسات الأمنية التي تدعمها إيطاليا والاتحاد الأوروبي، رغم أنها لم تنجح في تقليص أعداد المهاجرين غير الشرعيين بشكل كبير، فإنها نجحت في تحويل العائدات المالية من تجارة الهجرة غير النظامية من جماعات معارضة لحكومة طرابلس إلى أخرى موالية لها.
سرت مجددًا في قلب الصراع.. وترقب دولي لتحركات حفتر
وأفادت الصحيفة الروسية أن هذه التحركات الغربية جذبت اهتمام معسكر الشرق الليبي، حيث قال مصدر عسكري ليبي لـوكالة ريا نوفوستي الروسية إن “وحدات من الجيش الوطني الليبي، بأوامر مباشرة من حفتر، بدأت في التحرك من بنغازي نحو مدينة سرت”، والتي تُعد نقطة استراتيجية فاصلة بين الشرق والغرب.
وبحسب تقرير لوموند الفرنسية، فإن تمركز قوات حفتر في سرت قد يكون مؤشرًا على نية متكررة لاجتياح العاصمة طرابلس، مستذكرة فشل المحاولة السابقة في عام 2019. وأوضحت أن قوات حفتر المنتشرة في الجنوب “ليست بعيدة عن طرابلس”، ما قد يتيح لها تقديم الدعم لأي عملية هجومية تُخطط من الشرق.
وترى الصحيفة أن حفتر وأبناءه لا يمانعون تكرار سيناريو الحملة العسكرية، لكن الظروف الإقليمية والدولية تغيرت بشكل جوهري، ما يجعل الحسابات أكثر تعقيدًا هذه المرة.
تغير في المواقف الدولية.. وروسيا تعيد تموضعها
أما عن المواقف الإقليمية والدولية من التحركات المحتملة، فقد أشارت نيزافيسيمايا غازيتا إلى أن المشهد هذه المرة تحكمه معطيات مغايرة جذريًا لتلك التي كانت سائدة إبان هجوم حفتر في 2019. فعلى الرغم من الدعم الضمني الذي كانت تقدمه موسكو لقوات الشرق حينها، إلا أن العلاقة الروسية-الليبية أعيد ضبطها مؤخراً بما يراعي مصالح موسكو في الغرب الليبي أيضاً.
وتابعت الصحيفة أن روسيا تحتفظ الآن بوجود عسكري عبر ما يسمى بـ”الفيلق الإفريقي” في برقة، فيما تم إعادة افتتاح السفارة الروسية في طرابلس في أغسطس 2023، ووصفت وسائل الإعلام الروسية هذا التطور بأنه يمثل “إعادة إطلاق للعلاقات من نقطة الصفر”، بما يمنح موسكو مرونة أكبر في التعامل مع كافة الأطراف الليبية.
وأكدت الصحيفة أن أي تحرك عسكري من جانب حفتر سيُشكل اختبارًا حرجًا للنهج المتعدد الأطراف الذي تعتمده روسيا، وكذلك قوى دولية أخرى مثل الولايات المتحدة، التي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع كل من طرابلس وبنغازي، وتركيا التي تواصل دعم حكومة الغرب بالمعدات والتمويل والخبراء العسكريين.
مصير الأزمة بيد الداخل.. ومصراتة في موقع التأثير
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن التطورات القادمة في ليبيا، خصوصًا في العاصمة، ستتوقف بدرجة كبيرة على موقف مدينة مصراتة، التي لا تزال تحتفظ بثقل عسكري وسياسي كبير. واعتبرت أن رد فعل هذه المدينة على ما يجري من تطورات سيكون محورياً في ترجيح كفة أي من الطرفين.
ويأتي هذا في وقت لا تزال فيه ليبيا ترزح تحت وطأة الانقسام السياسي منذ عام 2022، مع وجود حكومتين متنازعتين؛ الأولى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتحظى بالاعتراف الدولي، والثانية في الشرق برئاسة أسامة حمّاد، المعيّنة من قبل مجلس النواب.
ولا تزال جهود الأمم المتحدة لإجراء انتخابات وطنية شاملة تصطدم بتعقيدات داخلية وخارجية، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول التوترات الحالية إلى جولة صراع جديدة في بلد غني بالنفط، ومثقل بالانقسامات والميليشيات المسلحة.
