أوروباالسلايدر الرئيسي

اشتباك ناري في مجلس الشيوخ الفرنسي بين وزيرة الثقافة رشيدة داتي وبرلمانية: أنا لستُ عاملة نظافة لديكِ

من سعيد حوا

باريس ـ يورابيا ـ من سعيد حوا ـ شهد مجلس الشيوخ الفرنسي، يوم الأربعاء 16 يوليو/تموز 2025، واقعة غير مسبوقة داخل قبة البرلمان تمثلت في مشادة كلامية حادة بين وزيرة الثقافة الفرنسية ذات الأصول المغربية رشيدة داتي، والنائبة الاشتراكية ماري‑بيير دو لا غونتري، خلال جلسة خصصت لمناقشة مشروع إصلاح الإعلام العمومي. بدأت الحادثة عندما قاطعت النائبة الوزيرة أثناء كلمتها، لترد داتي بانفعال أثار الكثير من الجدل قائلة: “احترميني… أنا لستُ عاملة نظافة لديكِ! وانتهت تلك الحقبة التي كان فيها والدي يعمل عند والدكِ”.

أثار هذا الرد ضجة واسعة داخل البرلمان وخارجه، حيث سُجلت ردود فعل متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية والإعلامية. اعتبر البعض رد داتي جريئًا ومعبرًا عن رفض التحقير الطبقي، بينما رأى آخرون أن طريقتها تمثل خروجًا عن اللباقة البرلمانية وتمسّ بقواعد الخطاب السياسي، خاصة في مؤسسة يُفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل.

تأتي هذه المواجهة في وقت حساس تشهده الساحة السياسية الفرنسية، إذ تثير خطة الحكومة لإصلاح قطاع الإعلام العمومي جدلًا واسعًا. المشروع الذي تقوده رشيدة داتي، يقترح دمج مؤسسات الإعلام العمومي في كيان واحد تحت اسم “فرانس ميديا”، يشمل التلفزيون العمومي والراديو والأرشيف السمعي البصري، وهو ما ترفضه النقابات الصحفية وعدد من الأحزاب، بحجة تهديده لتعددية الأصوات وتمايز الأدوار بين المؤسسات الإعلامية. وقد سبق للجمعية الوطنية أن رفضت المشروع قبل أسبوع، مما اعتُبر ضربة سياسية للحكومة.

وتحاول وزيرة الثقافة حشد الدعم لمشروعها داخل مجلس الشيوخ، لكنها ووجهت باعتراضات قوية من المعارضة اليسارية، مما دفعها إلى تفعيل ما يعرف بـ”التصويت المحظور” – وهي آلية دستورية نادرة تسمح للحكومة بإجبار المجلس على التصويت على النص الكامل للمشروع دون مناقشة تفصيلية. وهو ما زاد من حدة التوتر السياسي، وفتح المجال أمام اتهامات بمحاولة تمرير إصلاح مثير للجدل بطرق غير ديمقراطية.

رشيدة داتي، التي تُعرف بجرأتها الحادة ووضوح مواقفها، ليست غريبة عن المشاهد الصدامية في الحياة السياسية الفرنسية. فهي أول وزيرة عدل فرنسية من أصول مغاربية، وقد تولّت مناصب بارزة منذ عهد نيكولا ساركوزي، وتُعد من الأسماء النسائية القوية في المشهد السياسي، رغم الانتقادات المتكررة التي تطال أسلوبها الصدامي.

نشأتها المتواضعة في حي فقير وكونها ابنة لمهاجر مغربي وعاملة جزائرية، تجعل من خلفيتها حاضنة دائمة للجدل كلما تعلق النقاش بقضايا التمييز والعدالة الاجتماعية.

هذه الحادثة البرلمانية، التي سُجّلت بالصوت والصورة، تحوّلت إلى قضية رأي عام في فرنسا، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين السلطة والنخب، وأيضًا حول حدود الخطاب السياسي في مواجهة استفزازات الخصوم.

ويرى مراقبون أن النقاش لم يعد فقط حول إصلاح الإعلام، بل حول طبيعة الصراعات الجديدة التي تخترق السياسة الفرنسية، بين الحساسيات الاجتماعية، والهويات الثقافية، وتوازنات السلطة داخل المؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى