إسرائيل تُصرّ على البقاء في “موراج” وسط مرونة من حماس والقبول بالافراج عن 10 اسرى وتوتر يُهدد مفاوضات الدوحة ونتنياهو يمدد زيارته لواشنطن
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ بينما تواصل الجهود الإقليمية والدولية دفع مسار مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس نحو اتفاق شامل، تصطدم المباحثات في العاصمة القطرية الدوحة بعقبة مركزية قد تقلب الطاولة على المساعي الجارية، حيث تصر الحكومة الإسرائيلية على إبقاء قواتها العسكرية في ممر موراج جنوب قطاع غزة، وهو مطلب تعتبره حماس غير قابل للنقاش ومرفوضًا بشكل قاطع ضمن أي اتفاق دائم.
في خضم هذه الأجواء، أعلنت حركة حماس من غزة موافقتها على إطلاق سراح عشرة أسرى إسرائيليين أحياء، في خطوة وُصفت بأنها تعبير عن مرونة لإظهار الجدية في إنهاء العدوان، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن هناك نقاطًا جوهرية ما تزال عالقة في المفاوضات الجارية، وعلى رأسها ضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل آمن وحر، وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضي القطاع، إضافة إلى توفير ضمانات دولية تؤكد التزامًا حقيقيًا بوقف دائم لإطلاق النار وعدم تكرار العدوان. وتأتي هذه التطورات بينما يعيش الفلسطينيون في غزة أوضاعًا إنسانية كارثية مع استمرار القصف، وتزايد أعداد القتلى والجرحى، وغياب أبسط مقومات الحياة في مناطق النزوح جنوب القطاع.
الممر الذي تتمسك به إسرائيل، المعروف باسم موراج، كان اسمًا لمستوطنة سابقة تقع بين رفح وخان يونس، وتخطط تل أبيب لتحويله إلى ممر يربط الشرق بالغرب، تحت سيطرة عسكرية دائمة، بهدف الفصل بين شمال القطاع وجنوبه. وترى الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو أن بقاء قواتها في هذا الممر يمثل ضمانة أمنية لمراقبة الوضع في غزة بعد وقف إطلاق النار، فيما تعتبره حماس امتدادًا للاحتلال ومؤشرًا على نية إسرائيل في فرض واقع جديد داخل القطاع تحت ستار “المدن الإنسانية”.
التعقيد لا يقتصر فقط على الملفات المطروحة في الدوحة، بل يمتد إلى ما يجري خلف الكواليس في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث يزور نتنياهو البيت الأبيض منذ أيام، وقد اجتمع مرتين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في لقاءين ركزا على المفاوضات الجارية لإتمام صفقة تبادل أسرى ووقف إطلاق نار شامل. ورغم أن الزيارة كان مقررًا أن تنتهي مساء الخميس، إلا أن تقارير صحافية عبرية كشفت أن الوفد المرافق لنتنياهو يبحث في هذه الأثناء إمكانية تمديد الإقامة في واشنطن حتى السبت، في إشارة إلى أهمية المحادثات الجارية وربما تعقيداتها.
وفي ظل هذا الزخم، برزت مواقف داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحذر من تكرار الأخطاء السابقة، حيث دعا رئيس الأركان الأسبق غادي أيزنكوت رئيس الوزراء نتنياهو إلى التراجع عن عناده السياسي والعسكري، والتوجه فورًا إلى إبرام صفقة تبادل أسرى وإقرار وقف دائم لإطلاق النار. وقال أيزنكوت إن نتنياهو كان قد رفض في أبريل 2024 صفقة مشابهة بسبب تمسكه بالبقاء في محور نتساريم، وهو ما تسبب بفوات فرصة ثمينة وأدى إلى المزيد من الضحايا، محذرًا من أن تكرار هذا السيناريو اليوم في موراج قد يكلف إسرائيل أكثر مما تتصور. وأكد أن لا وقت للمماطلة، وأن القرار الصائب يجب أن يُتخذ دون تأخير، وفقًا للمبادئ التي تحدث عنها نتنياهو نفسه سابقًا: وقف إطلاق نار، تبادل أسرى، وانسحاب إلى خط أمني يتم التوافق عليه.
ومن بين أبرز بنود الاقتراح الذي يُبحث حاليًا بين الجانبين، يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، يتم خلاله الإفراج عن عشرة من الأسرى الإسرائيليين الأحياء على مرحلتين، إلى جانب إعادة جثامين ثمانية عشر جنديًا إسرائيليًا على مراحل، وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين، مع السماح بتوسيع المساعدات الإنسانية لغزة. وتقول صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن الرئيس الأمريكي السابق ترامب وافق على لعب دور الضامن لإنجاح الاتفاق وتنفيذه.
لكن رغم هذه الجهود، تبقى الفجوة الأساسية قائمة، وهي إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بتواجد عسكري دائم في قطاع غزة، مقابل تمسك حماس بانسحاب كامل وغير مشروط، ما يعيد سيناريوهات الفشل السابقة ويزيد من هشاشة الأمل بالتوصل إلى تسوية قريبة.
في هذه اللحظة الحرجة، يقف الوسطاء الدوليون، وفي مقدمتهم قطر والولايات المتحدة، أمام تحدٍ حاسم يتمثل في محاولة تجسير الفجوة بين طرفين يقدمان تنازلات محدودة، لكن يختلفان جوهريًا في الرؤية المستقبلية لما بعد وقف إطلاق النار. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتغلب منطق المصلحة والاستقرار على منطق السيطرة والعناد السياسي، أم أن جولة جديدة من الألم والدمار بانتظار سكان غزة، الذين دفعوا حتى الآن أثمانًا باهظة في معركة مفتوحة لا يلوح أفق لنهايتها؟