شرق أوسط

إخلاء أبنية صدعتها الحرب في مدينة حلب حفاظاً على سلامة سكانها

يورابيا ـ حلب ـ يصعد عزّت الدهان والحزن يعتريه درجاً متصدعاً للوصول إلى منزله في الطابق السادس في مدينة حلب في شمال سوريا، لإبلاغ زوجته وأبنائه السبعة بأنّ عليهم اخلاء المبنى المهدد بالسقوط جراء تداعيات الحرب بعد تلقيه انذاراً رسمياً.

بقيت عائلة الدهان وحيدة في هذا المبنى في حي صلاح الدين في غرب حلب، رغم انهيار أجزاء منه خلال المعارك التي شهدتها المدينة طيلة أربع سنوات، بعدما هجره كل القاطنين فيه خشية من سقوطه، خصوصاً بعد تكرار انهيار أبنية متصدعة آخرها في شارع مجاور مطلع الشهر الحالي وتسبب بمقتل 11 مدنياً.

يدفع الرجل، وكنيته أبو محمد، خشبة صغيرة وضعها مكان الباب ليدخل إلى منزله المظلم والبارد. يلتفتُ بحيرة ولا يعرف من أين يبدأ في جمع أغراضه.

ويقول بأسى لوكالة فرانس برس “نزحنا خلال الأزمة أربع مرات واعتقدنا أننا لن ننزح مجدداً بعد نهاية المعارك والقصف، لكن اليوم أكتشف مرة أخرى أن الحرب لم تنته، وعلينا الرحيل مجدداً”.

وتتكرّر حالات انهيار الأبنية السكنية في مدينة حلب عموماً وفي حي صلاح الدين خصوصاً الذي شكل خطّ تماس بين الجيش والفصائل المعارضة التي تقاسمت السيطرة عليه منذ صيف العام 2012 حتى نهاية العام 2016، تاريخ استعادة الجيش بدعم روسي سيطرته على كامل المدينة بعد سنوات من المعارك والقصف والحصار.

وحصل ذلك بعد اجلاء عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة والمدنيين بموجب اتفاق رعته كل من إيران وروسيا وتركيا.

وتسببت المعارك والغارات بتصدّع الكثير من الأبنية والمنازل وتشقّق جدرانها وزعزعة الإنشاءات والبُنى التحتية الداعمة للأبنية.

يعملُ أبو محمد في مؤسسة القطن في حلب. ورغم أنه في الخمسين من عمره، يمشي بخطوات بطيئة ويعاني من انحناء في ضهره بينما يغزو الشيب حاجبيه وشعره.

“48 ساعة”

يقول “سكنت في هذا المنزل قبل 22 عاماً لأخرج منه في العام 2012. تنقّلنا من حي إلى آخر في حلب هرباً من المعارك، لنعود إليه في العام 2016”.

ويتابع بتأثر “أعدنا جميع الأغراض وبدأنا نرمّم ونصلح ما يمكن إصلاحه، على أمل البقاء فيه، والتوقف عن دفع الإيجارات”.

ينتقل أبو محمد، وهو يرتدي معطفاً شتوياً رثاً، من الممر إلى غرفة الجلوس التي يبدو أحد جدرانها مرمماً بينما تغطي الشرفة خيمة تحمل شعار الأمم المتحدة.

من خلف ستارة تفصل غرفة الجلوس عن المطبخ، يتصاعد تدريجياً صوت بكاء أم محمد بينما توضب الطناجر والآواني المنزلية والصحون. وتقول لفرانس برس “نعلمُ أن المكان خطر وأن المبنى آيل للسقوط في أي لحظة، لكن ليس لدينا خيار آخر، وليس لدينا مكان نذهب إليه، ولا نملك المال لنستأجر منزلاً جديداً”.

وتشكل أزمة السكن واحدة من أبرز الصعوبات التي يواجهها النازحون خلال سنوات الحرب، إذ غالباً ما يجدون منازلهم فور توقف المعارك متضررة أو شبه مدمرة والبنى التحتية والخدمات الأساسية شبه معدومة.

ويفضّل سكان حي صلاح الدين العودة إلى منازلهم أيا تكن حالتها والبدء بترميمها وإصلاحها ريثما تصل باقي الخدمات إليها، وفق ما أكد عدد منهم لفرانس برس، عوضاً عن دفع بدلات إيجار مرتفعة.

إلا أن حوادث الانهيارات المتتالية دفعت السلطات إلى تشكيل لجان مسح ومعاينة تضم عدداً من المهندسين برفقة مختار الحي صلاح الدين حسن الجوك (44 عاماً)، تتولى معاينة الأبنية وإنذار سكان تلك القابلة للسقوط بوجوب اخلائها في مهلة أقصاها 48 ساعة، لتتم بعدها إزالة البناء على الفور.

 “خبر صادم” 

في الشارع الرئيسي في حي صلاح الدين، شاهد فريق فرانس برس قبل أقل من أسبوعين، عشر جرافات على الأقل فور انهائها إزالة بناء، ما تسبب بارتفاع سحب كبيرة من الغبار.

ويسدّ عمال البلدية الشارع بعوائق حديدية. وبعد إزالة الأبنية المتضررة أو تلك التي تشكل خطراً على السلامة العامة، يتم رفع الركام وترحيله ثم تنظيف المكان.

ويوضح المختار لعدد من السكان يصرون على البقاء في منازلهم رغم الخطر، إنّ الهدف من العملية تأمين “سلامتهم الشخصية”.

ويقول لوكالة فرانس برس “قبل شهرين، نجحنا في إخلاء بناء. وبعد أربعة أيام فقط انهار بشكل كامل نشعرُ بالمسؤولية وعلينا توعية الناس بضرورة الإخلاء حتى لا تتكرّر حوادث مأساوية”.

يحاول المختار أن يواسي أبو محمد الدهان. ويقول “يعزّ علينا إخبار العائلات بضرورة ترك منازلهم ويكون الخبر صادماً لكنّنا مسؤولون عن نقلهم إلى مراكز إيواء” على أطراف المدينة. ويقرّ بأن “الغالبية لا تفضّل الذهاب إلى تلك المراكز وتسعى لاستئجار منزل صغير في المنطقة ذاتها”.

وأخلت اللجنة التي تواصل مسح المنازل، أكثر من عشرين بناء حتى الآن.

في شارع فرعي في الحي ذاته، يجلسُ عبد المنعم عمرايا (50 عاماً) على كرسي أمام مدخل عمارته، يتسامر مع أصدقائه ويدخّن النرجيلة. ويشرح لفرانس برس “عندما تحرّرت المنطقة، تحمّست الناس للعودة سريعاً، ودخلوها قبل أن تتم معاينتها بشكل كامل”. ويضيف “منذ فترة، سقط حجر على رأس امرأة وقتلها على الفور”.

ويوضح الرجل الذي يعمل حالياً على تجهيز محل متخصص بلوازم البناء والترميم “خلال الحرب، كان الموت على الجبهات وفي مناطق المعارك، لكنه اليوم يُلاحقنا إلى داخل منازلنا ومحلاتنا”.

ويستعيد حادثة انهيار المبنى ومقتل سكانه الـ11 قبل نحو أسبوعين بالقول “أعرف العائلة التي قضت في انهيار المبنى المجاور، ناموا على قيد الحياة، واستيقظوا جثثاً تحت الركام”. (أ ف ب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى